فهرس الكتاب

الصفحة 26342 من 27364

وقد نبت هذا الاتجاه أو تمركز عند الشباب العربي المسلم الذي يعيش في أمريكا ، وإن كانت له جذور مشابهة ، أو مماثلة عند غيرهم ممن يعيش في أوربا أو في"العالم القديم"!

يقول أصحاب هذا الاتجاه إن"التجربة الشرقية"قد استنفدت أغراضها ، ووصلت إلى طريق مسدود .

وإنه أن الآوان أن تتسلم قيادة العمل الإسلامي عقول جديدة ، تفكر بطريقة جديدة تكفر تفكيراً علمياً ، مبنياً على دراسات علمية ؛ فتقدم للناس الحلول العملية لمشكلاتهم ، مستمدة من الإسلام ، وهذا هو الطريق !

ومن كل قلوبنا نتمنى للقيادة الجديدة التوفيق ، ولكنا نتدارس معهم مدارسة"علمية"و"واقعية"في مزالق هذا الطريق .

إن تصور أن كل الذي ينقص الناس هو معرفة الحلول الإسلامية لمشكلاتهم ، وأنهم إن عرفوا ووثقوا واطمأنوا أن الحلول الإسلامية أفضل من الحلول الرأسمالية والاشتراكية ، ووثقوا بأنها حلول عملية لا نظرية ، ولا دعائية ، ولا خطابية ، فسيقبلون لتوهم على الإسلام ، ويقيمون لتوهم حكومة إسلامية .

إن هذا التصور قد نشأ - على الأرجح - من حياة أولئك الشباب في ظل الديمقراطية الغربية ، حيث الحرية متاحة لكل الناس أن يفكروا ، وأن يجربوا ، وأن يدعوا ، وحيث يوجد احتمال - ظاهري على الأقل - أنه حين يقتنع الناس بشيء فإنهم يسعون إلى تطبيقه في عالم الواقع ، ويتمكنون - عن طريق الأجهزة الديمقراطية - من تنفيذه ( ) .

ونفترض جدلاً أن كل الذي ينقص الناس في"العالم القديم"هو معرفة الحلول الإسلامية العملية لمشكلاتهم ، وأنهم إن اطمأنوا ووثقوا أن الإسلام يقدم لهم حلولاً عملية أفضل مما تقدم الرأسمالية والاشتراكية ، فسيسعون بالفعل لإقامة الحكم الإسلامي .

نفترض هذا ، ونسقط كل الدلالة المرة التي تدل عليها مرور مقتل الإمام الشهيد ومرور مذابح السفاح هينة على قلوب الناس ، لأن وعيهم بأن تحكيم شريعة الله جزء من عقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله ، ما زال ناقصاً جداً ، وما زال في حاجة إلى بيان طويل ودعوة وتربية ، حتى تصحح العقيدة إلى صورتها الربانية الحقيقية التي جاء بها رسول ا صلى الله عليه وسلم من عند الله .

نفترض هذا ، ونفترض أنه بمجرد أن تعرض عليهم الأبحاث العلمية المتضمنة للحلول الإسلامية العملية سيقتنعون بالإسلام ، وبضرورة"الحل الإسلامي"، ويسعون إلى التطبيق ، أو يطالبون بالتطبيق ؛ فماذا تكون النتيجة ؟

هل تقول روسيا وأمريكا إنه ما دام المسلمون قد اقتنعوا عن طريق الدراسة العملية والتفكير العلمي بضرورة إقامة حكومة إسلامية فدعوهم وشأنهم ! وليقيموا حكمهم الإسلامي الذي ينشدون ؟! أم إنهما ستكلفان عملاءهما - كما تفعلان الآن - بتذبيح المسلمين وتقتيلهم ، وتشريدهم وتعذيبهم ، لكي يتخلوا عما هم مقدمون عليه من إقامة حكومة إسلامية في الأرض؟!

وعندئذٍ:

هل يكفي"الاقتناع"وحده ، و"التفكير العلمي"وحده ، لمواجهة التعذيب الوحشي الذي يصب على المسلمين المطالبين بتحكيم شريعة الله ؟ أم يحتاج الأمر إلى"عقيدة"؟ .. العقيدة التي تقول إنها قضية كفر وإيمان لا قضية الحل"الأفضل".. قضية جنة ونار ، لا قضية مشكلات عملية في الحياة الدنيا تحتاج إلى حل ! والتي يستيقن الناس بها أنهم لا يكونون مؤمنين ، ولا يتقبلهم الله يوم القيامة إذا أرادوا التحاكم إلى غير شريعة الله ، أو رضوا بحكم غير حكم الله .

ولا شك أن الإسلام هو دين الدنيا والآخرة ، وأنه ليس عقيدة فحسب ، إنما هو عقيدة ومنهج كامل للحياة ، محسوب فيه كل احتياجات البشرية في الحياة الدنيا ، بل محسوب فيه أن ترتفع الحياة البشرية عن مستوى الضرورة ، وتصل إلى درجة"الجمال"ودرجة"الإحسان"في كل شئ:

[ إن الله كتب الإحسان على كل شئ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، و ليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته ] .

وأنه يقدم لتلبية هذه الاحتياجات وتنميتها وترقيتها أفضل منهج وأحنه:

( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) [سورة المائدة 5/50]

صحيح هذا كله ، ولكن لأمر ما أمر الله رسول صلى الله عليه وسلم أن يقيم الاعتقاد الصحيح أولاً ، ويجلى للناس الألوهية ، ويبين لهم أن الالتزام بما جاء من عند الله من أمر ونهي هو مقتضى هذه العقيدة الذي لا تصح بدونه ، ثم - بعد ذلك - أنزل"الحلول العملية"لمشكلات البشرية ، وجعل الالتزام بها قضية كفر وإيمان ، وقضية جنة ونار:

( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ....) [سورة النساء 4/65]

( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ ) [سورة المائدة 5/44]

( اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ) [سورة الأعراف 7/3]

( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) [سورة الشورى 42/21]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت