فهرس الكتاب
فإن نحن قدمنا"الحلول العملية"للناس قبل أن يستقر في خلدهم - إلى درجة اليقين - أن التزامهم بشريعة الله أو عدم التزامهم بها هو قضية الإيمان والكفر.. قضية الجنة والنار.. فهل يتم الأمر على الصورة التي يتخيلها الباحثون ؟!
وما القول في الذين يقولون لك - وهم كثير - بعد أن تقنعهم عن طريق البحث العلمي والدراسة العلمية أن الحل الإسلامي هو الأفضل ، يقولون لك: أقتنعنا ! وما كنا نتصور - والله - أن الإسلام بهذه العظمة وهذا الشمول وهذه القدرة على تقديم الحلول العملية لمشكلات الناس ! هلموا ! أقيموا الدولة الإسلامية ، وحين تقيمونها ستجدوننا أول المستحبين !
هل تقوم الدولة الإسلامية على هذه الصورة ؟!
إن الاقتناع العقلي وحده لم يغير قط في عالم الواقع ، حتى في أوقات السلامة وألمن ، فضلاً عن حالات الاضطهاد الوحشي ! وهذه هي"الفلسفة"منذ سقراط وأرسطو إلى وقتنا الحاضر .
هل غيرت شيئاً في واقع الأرض ؟ إلا أن تكون عقيدة أو مرتكزة على عقيدة ، فعندئذ تكون العقيدة هي التي تغير واقع الناس .
والذي أثبتته التجربة في"العالم القديم"أن هذه العقيدة هي التي تحتاج قبل كل شئ إلى تصحيح. لأنها فرغت من محتواها خلال الأجيال، وفي القرن الأخير خاصة، فأصبحت في حاجة ملحة إلى بيان حقيقتها، ثم تربية الناس على مقتضى هذه الحقيقة حتى يصبح سلوكهم العملي في كل المجالات - ومن بينها مجال السياسة والحكم، والاجتماع والاقتصاد، واعلم والفكر - مطابقاً لمقتضيات لا إله إلا الله.
ونحن مع ذلك لا نقول للباحثين العلميين لا تبحثوا! بل نحن نفرح بكل بحث متعمق يظهر من حقائق الإسلام ما كان خافياً من قبل. ولكن فيم يكون البحث؟ وعلى أي نحو يكون؟
إن هناك في الحياة البشرية - وفي الإسلام كذلك - ثوابت ومتغيرات.
هناك أمور ثبتها الله سبحانه وتعالى وأمر بتثبيتها على صورتها في حياة الناس، كعقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله - بمعناها الشامل المتكامل الذي نزلت به من عند الله، والذي يشتمل فيما يشتمل على الالتزام بكل ما جاء من عند الله - والعبادات بجملتها وتفصيلاتها، والحدود، وغير ذلك مما فصله الفقهاء.
وهناك أمور متغيرة أذن الشارع بالاجتهاد فيها، ولكنه قيدها - في تغيرها الدائم - بمحاور ثابتة أو أصول ثابتة، لا يجوز أن تحيد عنها في أثناء تغيرها ونموها بما يلائم ما يجد من أمور في حياة الناس.
فحين نبحث اليوم بحثاً علمياً في الحلول الإسلامية الواقعية للمشاكل الحاضرة ففي أي شئ نبحث: في المحاور الثابتة أم في التفصيلات المتغيرة؟
أما البحث في المحاور الثابتة فواجب، وهو جزء من الفقه اللازم لهذا الدين. وكلما اتسع علم الناس بحقائق دينهم كان ذلك أوفق لهم، وأحرى باستقامة طريقهم.
أما المتغيرات - وخاصة في المشاكل الاقتصادية التي هي عقدة العقد في حياة الناس اليوم - فحين نبحث فيها، فلمن نقدم البحث على وجه التحديد؟ وعلى"مقاس"من نقيم البحث؟ أو بعبارة أخرى: على أساس احتياجات أي قوم من الأقوام، وأي زمان من الأزمان؟!
إنه لابد من ارتياد الطريق الطويل .. المجهد الشاق .. البطيء الثمرة .. المستنفد للطاقة ، طريق التربية، لإنشاء"القاعدة المسلمة"الواعية المجاهدة ، التي تسند الحكم الإسلامي حين يقوم ، وتظل تسنده لكي يستمر في الوجود بعد أن يقوم . وقد رأينا في دراستنا التي ناقشنا فيها الوسائل الثلاثة التي يستخدمها المتعجلون - كل من زاويته - أنها كلها تؤدى إلى طريق مسدود، وإن بدا في ظاهر الأمر أنها هي"الحركة"التي تخرج"بالعمل"من حالة الجمود !
وحين نقول إنه لابد من التربية أولاً لإنشاء القاعدة المسلمة الواعية المجاهدة ، يثور كثير من التساؤلات والتصورات:
ربينا بما فيه الكفاية !
إلى متى نظل نربى دون أن"نعمل"!
ما جدوى التربية وكلما ربينا جيلاً من الشباب قضى عليه الأعداء !
ما المقصود بالتربية ؟!
ونريد الآن أن نلقى بعض الضوء على المقصود بالتربية ، ولكن لابد من تصحيح بعض هذه التصورات أولاً تمهيداً لبيان الصورة الصحيحة المطلوبة ، المثمرة بإذن الله .
إن الذين يقولون: ربينا بما فيه الكفاية ، يغفلون عن حقائق كثيرة واقعة في الساحة ، ربما كان أفضل لون من التربية قام في الساحة حتى اليوم هو الذي قام به الإمام الشهيد بين"الإخوان العاملين"الذين رباهم على عينه .
وأفضل جوانب هذه التربية هو:
1 -الأخوة المتينة التي رباها في أتباعه .
2 -الروح الفدائية الصادقة التي طبعهم بها .
3 -والجندية الملتزمة التي زرعها في نفوسهم .
4 -تحرير لا إله إلا الله في حسهم من تواكل الصوفية وتواكل الفكر الإرجائى ، وتحويلها في سلوكهم إلى حركة واقعية وعمل .
ولكنا رأينا كم من الجوانب كان ينقص هذه التربية ذات الطابع الأصيل العميق ، وكم أثر هذا النقص في خطوات العمل الإسلامي بعد مقتل الإمام الشهيد بصفة خاصة.