فهرس الكتاب
أما إذا كان وجود تلك الجماعات عابراً - كما سنبين في السطور التالية - فهل هذه العملية المفردة ستغير شيئاً حقيقياً في حياة الفاسدين والفاسدات من الأساتذة أو الطلاب ؟ أم الأجدى - وقد أتيحت الفرصة لتلك الجماعات أن توجد فترة محدودة من الزمن - أن ينصرف الجهد إلى التربية الحقيقية على مبادئ الإسلام ، وكل شاب فرد ، وكل فتاة ، وكل مدرس أو أستاذ ، تنقذهم هذه الجماعات من الوحل الذي يرتعون فيه إلى النظافة والطهر ، هو كسب للدعوة ، وعمل مثمر خير من الدنيا وما فيها كما قال رسول ا صلى الله عليه وسلم:
[ لأن يهدى الله بك رجلاً خير لك من الدنيا وما فيها ] ، أو قال: [ خير لك من حمر النعم ]
لقد كانت"اللعبة"التي أبرزت تلك الجماعات الدينية إلى الوجود أن الحاكم يومئذ كان يواجه ضغطاً شديداً من التيار الشيوعي ، والتيار الناصري المتحالف معه ، فكان منطقياً بالنسبة إليه أن يستند - مؤقتاً - إلى التيار الإسلامي ، فيفسخ له المجال للعمل والحركة ، ليصد عنه هو شخصاً الضغوط التي يواجهها ، لا لينظف الجامعة من الفساد والإلحاد والكفر والتحلل الخلقي ، ولا لينشئ في البلد حركة إسلامية تطرها من تلك الأدران ! وليتعرف في ذات الوقت - عن طريق أجهزته البوليسية - على القوى الكامنة في الشباب ، ليضربها في الوقت المناسب - بعد أن تنتهي"اللعبة"- ضربة تشلها عن الحركة أو تقضى عليها !
فهل كان استعراض القوة في حادث الحفل الذي أشرنا إليه - أو أمثاله - هو السلوك المناسب إزاء هذه اللعبة ؟! أم أنه كان قمينا بالتعجيل في إنهاء اللعبة وتوجيه الضربة ؟
وحقيقة إن الضربة كانت آتية لا ريب فيها كما أشار إلى ذلك مدير السجن الحربي ؛ فبمجرد أن يحس"المسئولون"أن التيار الإسلامي قد أخذ يقوى ، يتفجر الموقف بالضرورة للقضاء على الخطر المرهوب ، والذي تخشاه الصليبية الصهيونية وكل من يعمل لحسابها في الأرض .
ولكن يختلف الأمر حين يكون كل"العمل"الذي تقوم به تلك الجماعات هو تربية شباب نظيف الأخلاق ، متطهر من الدنس ، يعرف ربه ولا يعرف رجس الشيطان ؛ فإن الحاكم يتردد كثيراً في ضربها ، ثم يتردد أكثر في استخدام الوسائل الوحشية لتعذيبها ، لأنه يومئذ لا يستطيع أن يبرر عمله الوحشي أمام الجماهير .
وفي وسع أجهزة الأمن بلا شك أن تفتعل قضية ، وأن تنشب إلى الناس جرائم لم يرتكبوها قط ولم يفكروا مجرد تفكير في ارتكابها ، وأن تحملهم - بوسائل التعذيب البربرية - على"الاعتراف"بما لم يفكروا فيه أصلاً ... ولكن الجماهير لم تعد اليوم غافلة كما كانت قبل ثلاثين سنة أو عشر ! وصارت اليوم تقدم سوء الظن بأجهزة الأمن على إحسان الظن ! ولم يعد يسهل على حاكم أن ينقض على جماعة كل عملها هو التربية الإسلامية ، فيصب عليها وحشيته وهو آمن من الإنكار والسخط .
وحقيقة إن أولئك الطغاة لا يهمهم كثيراً غضب الجماهير ، ولكن الذين يشغلونهم لحسابهم لا يحبون أن يكون عميلهم مفضوح الأمر أمام الناس ، لأن هذا يفسد اللعبة في النهاية ولا يحقق المطلوب ؛ بل إنهم في بعض الأحيان يدفعونه دفعاً إلى ما يسخط الناس عليه ، حين يكونون قد قرروا إنهاء دوره والإتيان بوجه جديد ، كما فعلوا بالسادات من قبل ، ومن بعده النميرى !
ضربنا نموذجاً من إنفاق الطاقة في قضايا لا تقدم ولا تؤخر ، ولا تغير شيئاً في الحقيقة ، إذ سرعان ما أزيلت الجماعات الدينية من الجماعات ، رجع الفاسدون والفاسدات أشد فساداً من ذى قبل !
ونضرب الآن نموذجاً من قضايا ذات خطر حقيقي ، كقضية تحكيم الشريعة الإسلامية ، وهي قضية رئيسية بالنسبة لكيان الأمة كلها ؛ والسعي إلى تحكيم شريعة الله فرض على كل مسلم يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ، لأنه هو المقتضى المباشر لتلك الكلمة العظيمة التي يعلن بها شهادة الإسلام .
نعم ! ولكن !
هل يمكن حقاً أن تقوم شريعة الله في الأرض قبل أن توجد القاعدة المؤمنة الواعية المجاهدة التي تواجه النتائج المترتبة على إعلان الحكم الإسلامي ، وأولها تحرش الصليبية الصهيونية على نحو ما حدث في الجزائر وفي تركيا ؟
وهل يكفي"الضغط الشعبي"لإقامة الحكم الإسلامي ، إن لم يكن"الشعب"الذي يمارس الضغط مستعداً لجهاد ، ومستعداً لخوض معركة طويلة الأمد ، يصبر فيها على الخوف ، والجوع ، ونقص الأموال ، والأنفس ، والثمرات كما بين الله في كتابه المنزل:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ ) [سورة البقرة 2/153-155]