فهرس الكتاب
أليس الأجدى إذن إنفاق الطاقة في إقامة"القاعدة المسلمة"التي تحتمل هذه التبعات الجسام ، بدلاً من إنفاقها - أو إنفاق قدر منها - في المطالبة الشفوية التي لا يترتب عليها شئ في الحقيقة ، إنما تكون كالطلقة الطائشة ، تنبه عدوك إلى مكانك دون أن تصيب شيئاً في الواقع ؟!
إن القضية ليست إلهاب حماسة الجماهير لتطبيق الشريعة الإسلامية ، فهذا وحده لا يكفي ، ولا يغير شيئاً من الواقع ، طالما كانت هذه الجماهير لا تملك إلا تلك الحماسة العاطفية ، التي يمكن أن تنطفئ بذات السرعة التي تلتهب بها .
إنما يتغير الواقع حين تُعْمِل تلك الجماهير نفسها لقضية تحكيم الشريعة على أساس أن هذا التحكيم هو المقتضى المباشر لقول لا إله إلا الله ، محمد رسول الله .
والفارق الضخم - في مجال الحركة الواقعية - بين الحماسة العاطفية التي لا تنتهي إلى شئ واقعي، وبين تجنيد الناس أنفسهم لهذه القضية ، ينشأ من فارق دقيق - وخطير في الوقت ذاته - في تفهم حقيقة القضية وإدراك أبعادها .
فحين تكون القضية في حس الناس أن تحكيم الشريعة"كمالات"يكتمل بها دينهم ، ولكنهم قبل ذلك مسلمون ولو رضوا بشريعة غير شريعة الله ، وتحاكموا إليها بغير حرج في ضمائرهم ، سيكون أقصى ما يعطونه للقضية هو تلك الحماسة العاطفية التى لا تصمد للبطش الوحشي الذي يقابل به الطغاة الدعوة لتحكيم شريعة الله ، وأن إيمانهم لا يكون ناقصاً إنما يكون غير قائم أصلاً إذا تحاكموا - راضين - إلى شرائع يضعها البشر من عند أنفسهم بغير إذن من الله .
عندئذ سيجند الناس أنفسهم لتلك القضية ، لأنها ستكون في حسهم قضية إيمان وكفر ، لا مجرد"كمالات"يكملون بها إيماناً موجوداً بالفعل، مرضياً عند الله!
أما الحماسة العاطفية فمهما أعجب الدعاة مظهرها ، فلست رصيداً حقيقياً في المعركة الهائلة التي يرصدها للإسلام أعداء الإسلام .
تلك نماذج نضربها لصرف الطاقة في غير مجالها الحقيقي ، أو للتقصير في صرفها في مجالها الذي يجب أن توجه إليه ، ودلالتها أن هناك جوانب نقص في عملية التربية القائمة في ساحة العمل الإسلامي .
فإذا أضيف إلى ذلك ما يشكو منه كثير من الشباب العاملين في الدعوة من أن بعض"المسئولين"عنهم ينقصهم التجرد الكافي للدعوة ، الذي يجعل مصلحتها الحقيقة هي رائدهم ، لا ذواتهم ، ولا رغبتهم في الظهور والاستحواذ على أكبر عدد من الأنصار .
إذا وضعنا هذا كله في الميزان ؛ فهل يحق لقائل أن يقول: ربينا بما فيه الكفاية ؟!
أما الذين يسألون: إلى متى نظل نربى دون أن"نعمل"؟
فلا نستطيع أن نعطيهم موعداً محدداً فنقول لهم: عشر سنوات من الآن ، أو عشرين سنة من الآن ؛ فهذا رجم بالغيب لا يعتمد على دليل واضح ، إنما نستطيع أن نقول لهم: نظل نربى حتى تتكون القاعدة المطلوبة بالحجم المعقول .
وواضح أن هذه الإجابة غير محددة ؛ فلا هي تحدد"الزمن المطلوب"، ولا هي تحدد"الحجم المطلوب".
ولكن الحقيقة أنه لا يوجد بشر في الأرض يستطيع أن يعطى هذا التحديد ، لأن فيه عنصراً بل عناصر غيبية لا يمكن للبشر تحديدها.
لقد كان الوحي هو الذي ينقل خطى الجماعة الأولى بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أمره الله بادئ ذي بدء بإنذار عشيرته الأقربين ، فأخذ يدعو إلى الله سراً فترة من الوقت وهو يتحمل الأذى من عشيرته صابراً محتسباً حتى نزل الأمر الرباني بالجهر بالدعوة ، فصدع رسول ا صلى الله عليه وسلم بالأمر ، ونزل الأذى بالمؤمنين وتحركت مشاعر بعضهم للرد على الأذى ، فنزل الوحي يقول لهم: ( كفوا أيديكم ) فكفوا ، واحتملوا الأذى صابرين حتى أذن الله لهم بالقتال فقال سبحانه:
( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) [سورة الحج 22/39]
ثم جاء الأمر بقتال الذين يقاتلون المؤمنين من المشركين ، دون سواهم:
( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) [سورة البقرة 2/190]
ثم جاء الأمر بقتال المشركين كافة:
( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً...) [سورة التوبة 9/36]
واليوم وقد انقطعت الرسالات وختمت النبوة فلن يتنزل وحي يقول للمسلمين: كفوا أيديكم إلى سنة كذا ، وقاتلوا سنة كذا ! إنما هو الاجتهاد والرأي بحسب الظروف القائمة في الأرض ، وبحسب السنن الجارية التي يجرى الله بها قدره في حياة الناس .