فهرس الكتاب

الصفحة 26348 من 27364

وأما الذين يقولون: ما جدوى التربية ، ونحن كلما ربينا جيلاً من الشباب قضى عليه الأعداء ! فقد سبق أن أجبنا على تساؤلهم من الواقع المشهود .

ونحن لا نعلم الغيب ، ولا نعلم إن كان الشاب الذي نربيه اليوم سيموت غداً أم يموت بعد عمر مديد ، ولا نعلم كذلك هل يثبت على الطريق أم يفتن في دينه، ولكن علينا دائماً أن نبذل جهدنا في تربيته على النهج الصحيح .

فإن شاء الله أن يمتد به العمر فهو قوة للدعوة وامتداد لها ، أما إن كان في قدر الله أن يفتن في دينه فمنذا الذي يستطيع أن يرد عنه قدر الله ؟ ومنذا الذي يستطيع أن يعرف لفرد ما يكون من أمره في الغداة ؟!

في جميع الأحوال إذن ينبغي أن نمضي في التربية ، ونحن واثقون أنها الطريق الواصل في النهاية ، حتى وإن كانت هي الطريق الشاق المجهد البطيء الطويل .

ولابد من كلمة تبين لنا على الأقل بعض أبعاد التربية المطلوبة ، وما يمكننا أن نتحدث عن كل أبعاد التربية أو عن المناهج التربوية ، فتلك بحوث متخصصة .

ونكتفي بثلاثة أبعاد لأنها ذات أهمية خاصة ، ومن أراد البسط فعليه بمراجعة مظان المسألة:

البعد الأول:"اليقين":

يقول سبحانه وتعالى:

( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) [سورة الذاريات 51/58]

ولو أنك سألت أي إنسان في الطريق: من الذي يرزقك ؟ لقال لك على البديهة: الله !

ولكن انظر إلى هذا الإنسان إذا ضُيق عليه في الرزق ، يقول: فلان يريد أن يقطع رزقي ! فما دلالة هذه الكلمة ؟

دلالتها أن تلك البديهية التي نطق بها لم تكن"يقيناً"قلبياً ، إنما كانت بديهية ذهنية فحسب ، بديهية تستقر في وقت السلم والأمن ، ولكنها تهتز إذا عرضت للشدة ، لأنها ليست عميقة الجذور .

هل يصلح مثل هذا الإنسان لأعباء الدعوة ومشقاتها ؟!

هل يصلح لتلك الأعباء إلا شخص قد استقر في قلبه إلى درجة اليقين أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين .

أن الله هو المحيى والمميت ، أن الله هو الضار والنافع ، أن الله هو المعطى والمانع ، أن الله هو المدبر ، أن الله هو الذي بيده كل شئ .

وإذا اهتز اليقين لحظة واحدة فماذا يحدث ؟!

لقد كنا نرى في المعتقل بعض الذين يهتز في قلوبهم هذا اليقين لحظة ، فتهتز خطواتهم على الطريق ! يتسرب إلى روعهم أن هذا الشخص أو ذاك يمكن أن ينفع ، أو يمكن أن يضر .

فيتوجهون إليه يحسبون أنه يمكن أن يخرجهم مما هم فيه من الضيق ؛ فينزلقون ، وينتهي دورهم في الدعوة ، إلا أن يتوب الله عليهم فيتوبوا .

ترى كم جلسة.. كم درساً.. كم موعظة.. كم توجيهاً.. يحتاج إليها الإنسان ليرسخ في قلبه إلى درجة اليقين أن الله هو الذي يدبر ، وأن هذه المخلوقات البشرية التي يخالطها في حياته إن هي إلا أدوات لقدر الله، وأنها حين تضره فهي تضره بشيء قد قدره الله له، وحين تنفعه فإنما تنفعه بشيء قد كتبه الله له فلا يتوجه إلا إلى الله ، في سرائه وفي ضرائه سواء ، ويعلم - يقيناً - أن الخلق كلهم لا يملكون له - ولا يملكون لأنفسهم - ضراً ولا نفعا ً؟! فإذا دخل في الشدة - وطريق الدعوة مملوء بالأشواك والدماء والدموع - طلب التثبيت من الله، ونظر إلى كل ما يصيبه على أنه قدر مكتوب له .

ثم نظر إلى هذا القدر المكتوب له على أنه كله خير ، ما دام يسير على طريق الإيمان ، لأن أمر المؤمن كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ؛ وليس ذلك إلا للمؤمن .

فإذا لم يصل إلى هذا اليقين القلبي ، الذي يترتب عليه سلوك عملي ؛ فهل يصلح لحمل أعباء الدعوة ؟!

كم يحتاج الفرد الواحد حتى ترسخ هذه العقيدة في قلبه إلى درجة اليقين ؟ وكم يحتاج الجمع من الناس ؟ وكم يحتاج تكوين"قاعدة"صلبة من مثل هؤلاء ، يقوم عليها بناء دعوة ، ثم يقوم عليها - حين يأذن الله - بناء دولة ؟!

إنه لمثل هذا كان يعمل رسول ا صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاماً كاملة في مكة ، وبعدها سنوات في المدينة كان يعمل ، ولم يكن يقول في نفسه وهو في مكة: إلى متى نظل نربى دون أن"نعمل"؟ فقد كان يعلم يقيناً - بما علمه ربه - أن هذا هو"العمل"الأساسي الذي يسبق كل عمل .

هذه هي"العقيدة"، هذه هي"لا إله إلا الله"في حقيقتها الاعتقادية ، ليست مجرد إقرار ذهني بأن الله تعالى واحد .

فما أيسر أن يعتقد الذهن ذلك - وإن كان قد صعب على العرب في جاهليتهم - ولكن تبقى"شوائب"نفسية وشعورية كثيرة عالقة بهذا الاعتقاد الذهني ، ولا تظهر إلا في السلوك العملي ، في حالي الشدة والرخاء سواء ، وإن كانت الشدة هي المجهر الأقوى الذي تبرز تحته كل شوائب الاعتقاد .

( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ...) [سورة العنكبوت 29/10]

( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) [سورة العنكبوت 29/2-3] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت