فهرس الكتاب
لمثل هذا كان رسول ا صلى الله عليه وسلم يلقى أصحابه في دار الأرقم: يربيهم ويعلمهم ، يعلمهم العقيدة الصحيحة ، ويربيهم عليها .
فليست العقيدة مفهوماً ذهنياً تستوعبه الأذهان ثم يستقر فيها هناك ! إنها على هذا النحو لا تصنع شيئاً في عالم الواقع ، ولا تغير شيئاً في عالم الواقع .
كالفلسفة في الأبراج العاجية ، لا تغير شيئاً في واقع الناس ! إنما هي"عقيدة"، ترسخ وترسخ وترسخ ، حتى تصبح يقيناً قلبياً تنطلق على هداه مشاعر القلب ، ويجرى بمقتضاه السلوك العملي للإنسان .
وبهذه الصورة تعمل"العقيدة"في عالم الواقع .. تغير .. تهدم وتبنى .. تهدم الباطل وتبنى مكانه الحق .
وحين كان رسول ا صلى الله عليه وسلم يربى أصحابه على العقيدة الصحيحة ، كان ينشئ - بقدر الله - ذلك اليقين القلبي الذي ينبثق منه السلوك العملي ، وكان - بهذا - ينشئ - بقدر الله - تلك النفوس العجيبة التي صنعت ما شاء الله لها أن تصنع من عجائب التاريخ .
بالقرآن .. بتوجيهاته الدائمة صلى الله عليه وسلم . بقيام الليل .. بالقدوة العملية في شخصه الكريم صلى الله عليه وسلم . برعايته لهم في المحنة .. بالحب الفياض من قلبه العظيم لهم .
بكل تلك الوسائل مجتمعة ، تأصلت"العقيدة"في قلوب ذلك الجيل المتفرد ، فكانت تلك"الطاقة"الهائلة التي صنعت الأعاجيب .
وفي غربة الإسلام الثانية نحتاج إلى مثل ما احتاج إليه الأمر في الغربة الأولى ، إن لم يكن على ذات المستوى السامق ، فعلى أقرب مستوى إليه يطيقه البشر في جولتهم الثانية لإزالة غربة الإسلام .
كم من الزمن يستغرق هذا الأمر ؟ لا أدرى ! ولكنى أعلم يقيناً أنه مطلوب ، وأن"القاعدة"المطلوبة لابد أن تقوم على مثل هذا"الاعتقاد"في لا إله إلا الله ، الذي يملأ القلب باليقين ، ويتمثل - من ثم - في سلوك عملي .
البعد الثاني:"الأخوة":
يقول سبحانه وتعالى:
( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) [سورة الحجرات 49/10]
والأخوة من أجمل"المعاني"التي يمكن أن يتحدث عنها الإنسان ! شفيفة لطيفة كالنور ! ندية محببة إلى القلوب ، ولكن ما"الأخوة"التي وردت الإشارة إليها في كتاب الله ؟
يستطيع اثنان من البشر وهما يسيران في الطريق الواسع - في الأمن والسلامة - أن يتآخيا ! أن يسيرا معاً وقد لف كل منهما ذراعه حول أخيه من الحب.
ولكن انظر إليهما وقد ضاق الطريق ، فلا يتسع إلا لواحد منهما يسير وراء الآخر ؛ فمن أُقدّم ؟ أقدم نفسي أم أقدم أخي وأتبعه ؟
أم انظر إلى الطريق قد ضاق أكثر ؛ فلم يعد يتسع إلا لواحد فقط دون الآخر !
إنها فرصة واحدة .. إما لى وإما لأخي .. فمن أُقدّم ؟ أقول: هذه فرصتي ، وليبحث هو لنفسه عن فرصة ؟ أم أقول لأخي: خذ هذه الفرصة أنت ، وأنا أبحث لنفسي ؟!
هذا هو"المحك".
إن الأخوة في الأمن والسلامة لا تكلف شيئاً ! ولا تتعارض مع رغائب النفس ؛ بل هي ذاتها رغبة من تلك الرغائب يسعى الإنسان لتحقيقها مقابل الراحة النفسية التي يجدها في تحققها.
أما في الشدة - أو في الطمع - فهنا تختبر الأخوة الاختبار الحق ، الذي يتميز فيه الإيثار والحب للآخرين ، ومن الأثرة وحب الذات ، التي قد تخفي على صاحبها نفسه في السلام والأمن ، فيظن نفسه"أخاً"محققاً لكل مستلزمات الأخوة !
كم جلسة .. كم درساً .. كم موعظة .. كم توجيهاً .. يحتاج إليها الإنسان الفرد ، وتحتاج إليها الجماعة ، وتحتاج إليها"القاعدة"ليرسخ في حسهم جميعاً هذا"المعنى"فلا يعود حقيقة ذهنية يستوعبها الذهن ثم ينتهي بها المقام هناك ، إنما تتحول إلى وجدان قلبى ، يتعمق في القلب حتى يصدر عنه سلوك عملي كذلك الذي ورد ذكره في كتاب الله:
( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ) [سورة الحشر 59/9]
إنه لمثل هذا كان يعمل رسول ا صلى الله عليه وسلم وهو يربى أصحابه رضوان الله عليهم ، ثلاثة عشر عاماً في مكة ، وسنوات في المدينة بعد ذلك .
لم يكن يقول في نفسه وهو في مكة: إلى متى نظل نربى تلك المشاعر دون أن"نعمل"! لأنه كان يعلم يقيناً - بما علمه ربه - أن هذا من العمل الأساسي المطلوب لإنشاء القاعدة المؤمنة التي وُجِّ صلى الله عليه وسلم لإنشائها .
وأن هذه الأخوة - فوق أنها ضرورية لإقامة القاعدة المؤمنة التي هي نواة"الأمة المسلمة"- فهي جزء من"التحقيق السلوكي"للا إله إلا الله .
فليست لا إله إلا الله وجداناً قلبياً عميقاً فحسب ، بل هي التزام بما أنزل الله ، ومن ثم فكل ما جاء من عند الله فالالتزام به هو من مقتضيات لا إله إلا الله، وقد أحب الله هذه الأخوة وامتدحها ، وأوجبها على المؤمنين به ، وأنزل فيها آيات كثيرة لعل من أبرزها: