فهرس الكتاب

الصفحة 26418 من 27364

كان أول التيه أننا حملنا أدبنا العربي كله فوضعناه على الميزان الغربي ، فاتضح لنا - ويا للأسف - أنه ليس عندنا أدب !

شعرنا كله - أو جلّه - يندرج تحت بند واحد من بنود الشعر اليوناني ، الذي هو أصل الأصول في فن القول وفن الفكر وفن الحياة .. ذلك البند هو"الشعر الغنائي""Ly r ical Poet r y"الذي كان الرعاة يتسلون بغنائه وهم يرعون أغنامهم ، فيبثون فيه أشواقهم وأحزانهم ، وذكرياتهم وهمومهم الذاتية .. ولكن ليس عندنا ملحمة ، وليس عندنا مسرحيّة شعرية .. وليس عندنا .. وليس عندنا .. والمأساة الكبرى أنه ليس لدينا في أدبنا مأساة !

المأساة اليونانية هي أدب الدنيا والدين . هي عصارة التجربة البشرية العميقة الواصلة إلى الأغوار .. أغوار النفس البشرية ، وأغوار السنن التي تحكم حياة الإنسان على الأرض .. وخلوّ أدبنا منها عار ما بعده عار !

والمأساة اليونانية في حقيقتها - مع كل"أغوارها"ودقتها وبراعتها في الأداء الفني - هي صراع البشر مع الآلهة !

الإنسان يريد أن يثبت وجوده .. يريد أن يبرز .. يريد أن يكون فاعلا مريدا .. يريد أن يبني ويصنع البطولات والأمجاد والخوارق ( يريد في الحقيقة أن يكون إلهاً ) والآلهة تغار من الإنسان ، فتسعى إلى وضع العقبات في طريقه ، وفي النهاية تحطمه حين يصر على عزيمته ويرفض الانصياع لكيد الآلهة .. وعندئذ تحدث المأساة !

أرأيت ؟!

وأدبنا ليس فيه مأساة .. لأننا أمة سطحية لا طاقة لها بالوصول إلى الأغوار .. تعيش على هامش الحياة ولا تغوص في أعماقها .. !

وقد كنت أَدْرُسُ الأدب الإنجليزي في الجامعة ، وكانت الأصول الإغريقية تدرس لنا باعتبارها المنابع التي كان يستقي منها الأدب الأوربي فترة من الزمن غير قصيرة ، وهي كذلك المعايير التي كان يستقي منها النقّاد نظرتهم إلى الأدب وتقويمهم له ، وكنت في الوقت ذاته أستمع إلى ما يلوكه"نقّادنا"عن الأدب العربي في جملته ، فأعجب في نفسي .. كيف يمسخ الناس إلى هذا الحد ؟!

ليس دفاعاً عن الأدب العربي .. ما كان فيه وما لم يكن .. فليست هذه هي القضية ! القضية هي نحن: كيف ذابت شخصيتنا إلى هذا الحد ، فلم نعد ننظر بعيوننا ، إنما نستعير عيون غيرنا لننظر بها إلى أنفسنا ؟!

ولم أكن أديبا ولا ناقدا ..

ولكن عنّت لي ملاحظة في أثناء دراستي للأدب الإنجليزي ، وهو نموذج للأدب الأوربي عامة ، مع وجود الفوارق الذاتية بطبيعة الحال بين شعب وشعب ، وأديب وأديب ..

إن فكرة الصراع بين البشر والإله ( أو الآلهة كما صورتها وثنية اليونان ) عميقة جدا في الأدب الغربي في جميع أطواره .

كانت واضحة جدا في الأساطير اليونانية ، وبخاصة أسطورة بروميثيوس سارق النار المقدسة ، التي تروي أن الإله زيوس - إله الآلهة - خلق الإنسان من قبضة من طين الأرض وسواه على النار المقدسة ( ترمز في الأسطورة إلى المعرفة ) ثم أهبطه إلى الأرض وحيدا في الظلام ( يرمز الظلام إلى الجهل ) فأشفق عليه كائن أسطوري يسمى بروميثيوس ( لعله يرمز إلى الشيطان والله أعلم ) فسرق له النار المقدسة من الإله ( يرمز إلى كون الإنسان بدأ يتعلم ) فغضب الإله على الاثنين معا ،"بروميثيوس"سارق النار المقدسة ، و"إيبيميثيوس"الإنسان الذي خلقه من طين الأرض ، فوكل ببروميثيوس نسراً أكل كبده طوال النهار ، وفي الليل تنبت له كبد جديدة فيأتي النسر في الصباح ليأكل كبده طوال النهار . هكذا في عذاب أبدي .. أما إيبيميثيوس الذي عجز الإله عن استرداد النار المقدسة منه ( يرمز ذلك إلى أن المعرفة لا يمكن سلبها من الإنسان إذا حصل عليها ) فقد أرسل إليه امرأة تسمى باندورا ( ترمز إلى حواء ) لتؤنسه في وحدته ، ولكنه أرسل معها صندوقا هدية ، فلما فتح الصندوق إذا هو مملوء بالشرور ! فقفزت الشرور من الصندوق وملأت أرجاء الأرض !!

هكذا تصور الأسطورة الإغريقية العلاقة بين الإنسان وبين الله ! فالعلم ليس نفحة ربانية أفاضها الله على الإنسان من فضله: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ) (87) .. ( عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (88) .. ( خَلَقَ الْأِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (89) إنما هو مغتصب اغتصابا من الإله ! والإله - بدافع الغيرة ( نستغفر الله ) - لا يريد للإنسان أن يتعلم ، ولا أن ينتفع بعلمه ، فينتقم منه هذا الانتقام الفظيع !

تلك هي بذرة"المأساة"في حياة الإنسان كما تصورها الأسطورة الإغريقية ..

وتلك - رعاك الله - هي التي تنقص الأدب العربي والأمة العربية !

ولقد تتبعت أثر الأسطورة الإغريقية في الأدب الأوربي بعد أن نزعت أوربا سلطان الكنيسة من حياتها ، وعادت إلى الأصول الإغريقية تستمد منها مفاهيم حياتها منذ عصر النهضة ، فوجدت عجبا !

عادت أوربا - في الأدب على الأقل - إلى الوثنية الإغريقية في فترة الرومانسية فعبدت"الطبيعة"إلها جديدا بدلا من إله الكنيسة الذي استعبدت باسمه الناس .. فنشأ في النفس الأوربية صراع بين الإنسان وذلك الإله الجديد ! وتحدثوا في كتاباتهم عن"صراع الإنسان مع الطبيعة"وقالوا:"الإنسان يقهر الطبيعة"!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت