فهرس الكتاب

الصفحة 26419 من 27364

ثم ألهت أوربا الإنسان بدلا من الله .. فعاد الصراع مع الإله الجديد ! إما صراعا نفسيا داخل الإنسان الفرد ، وإما صراعا اجتماعيا بين بعض البشر وبعض !

لا سلام ! لا بد من وجود الصراع ..

وهو ليس ذلك الصراع الذي أذن الله به وباركه ، صراع الخير ضد الشر الذي قال الله فيه: ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ) (90) ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (91) .

إنما هو الصراع بين الإنسان وبين الله !

وذلك يا رعاك الله - هو الذي ينقص الأدب العربي ليكون أدبا عالميا له أغوار !

ثم تخبطت أوربا في آدابها فتخبطنا معها .. فقط من أجل ألا يفوتنا التخبط معها !

ظهرت السريالية - بعد شطحات فرويد في"العقل الباطن"و"اللاشعور"- فقلنا لا بد أن يكون لدينا سريالية .. يا للعيب .. كيف لا"نَتَسَرْيَل"معهم ؟!

وظهر اللامعقول ، فقلنا لا بد أن يكون لدينا أدب لامعقول ! وأنشأ أحد أدبائنا"الكبار"مسرحية"لامعقولة"سماها"يا طالع الشجرة"كتب لها مقدمة قال فيها: كتبت هذه المسرحية على طريقة اللامعقول لكي لا يقال عنا إنه ليس لدينا أدب لامعقول !

يا عجبا ! لقد تخبطت أوربا في"نهضتها"فلجأت إلى"العقلانية"المسرفة انتقاما من حجر الكنيسة على العقل عشرة قرون كاملة ، فأدخلت العقل في كل شيء سواء كان للعقل فيه مجال أم لم يكن .. ثم وجدت - بعد لأى - أن العقل لم يحل لها كل مشاكلها بل أنشأ مشاكل جديدة حين أُقحم فيما لا طاقة له به .. فقفزت إلى"اللامعقول"فرارا من العقلانية المسرفة .. أما نحن فما بالنا ؟! لماذا نلجأ إلى اللامعقول ؟!

ثم ظهرت الحداثة .. فقلنا لا بد أن يكون لنا أدب حداثي .. يا للعار ! أيكون أدبنا بلا حداثة ؟! ونكون متخلفين ؟!

والجوهر الحقيقي للحداثة هو تحطيم"التراث"والانفلات منه ولو إلى لا شيء !

المهم أن نحطم التراث - الذي يمثل الأغلال - ونخرج إلى الحرية والانعتاق .. وأوربا حين تصنع ذلك فهي حرة تصنع في نفسها ما تشاء . وقد يكون لها عذرها ، فالتراث عندها هو الكنيسة وخرافاتها وطغيانها وجبروتها ، وتعطيل قوى الإنسان عن العمل المثمر في واقع الأرض . فتحطيم"ذلك"التراث والانفلات منه أمر"معقول"..

أما المسلم حين يحطم تراثه الرباني ، فماذا يبقى له إلا الضرب في التيه ؟!

هكذا كان حجم التيه الذي دخلت فيه الأمة .. واسعا شاملا ، شمل كل جوانب الحياة .. وبعبارة أخرى شمل الانحراف كل مقتضيات لا إله إلا الله ، فإن مقتضيات لا إله إلا الله تشمل كل جوانب الحياة (92) ..

( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ .. ) (93) .

ولا نقول بطبيعة الحال إن كل الناس قد لفّتهم الدوامة ، وإنه لم يبق في الأمة من يدرك مقدار الخلل الذي أصابها حين دخلت في التيه ..

كلا ! إن هذا لم يحدث قط ، ولا يمكن أن يحدث:

"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من خالفهم .." (94)

ولكن الدوامة كانت من العنف بحيث قذفت المعارضين لها فأقصتهم عن مركز التوجيه ، وهمّشتهم على جوانبها ، وأبرزت أولئك الذين تشربوا السم كله فجعلتهم هم القادة الذين يقودون .. في جميع الميادين .. في السياسة والاقتصاد والاجتماع والفكر والأدب والفن .. وفي كل شيء .

وبدا لفترة من الوقت أن الأمة قد قطعت ما بينها وبين دينها ، وما بينها وبين تراثها ، وما بينها وبين تاريخها .. وأنها اتخذت طريق أوربا .. ولن تعود !

ولكن الحقيقة أن الأمة كانت تعيش بشخصية مزدوجة ..

فإذا استثنينا أولئك الذين انسلخوا تماما من دينهم وتراثهم وتاريخهم ، وأعلنوا انسلاخهم ، وتفاخروا به ليكونوا - في وهم أنفسهم -"مفكرين أحرارا"كمفكري أوربا الأحرار .. F r ee Thinke r s (95) .

وإذا استثنينا من الجانب الآخر الذين ثبتوا في مكانهم على وعي بدينهم وتراثهم وتاريخهم ، وتشبثوا به ، ولم يتزحزحوا عنه ، وإن غُلبوا على أمرهم فصمتوا ، أو ضاعت أصواتهم في هدير الدوامة المدوى ، الذي لا يكاد الإنسان يسمع فيه حتى نفسه !

إذا استثنينا هؤلاء وهؤلاء وهم قلة من الطرفين ، فإن مجموع الأمة - الذي لفه التيه - كان يعيش بشخصية مزدوجة: بقايا الدين في العواطف والوجدان وبعض ألوان السلوك ، والفكر الوافد بضغطه العنيف المتوالي يَحْرِفُ الأفكار والمشاعر والسلوك ، ويجعل الصورة أمام الأعين مهتزة على الدوام ، لا تتبين ملامحها للرائي ، ولا يستيقن تفصيلاتها ..

ولقد عاشت أوربا من قبل فترة مماثلة ، مع فارق الدين ، وفارق التصورات ، وفوارق السلوك ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت