فهرس الكتاب

الصفحة 26420 من 27364

فحين اهتز سلطان الكنيسة ولم تعد له تلك السيطرة التي كانت له على أرواح الناس من قبل ، وبدأت"النهضة"التي ارتدت في مفاهيمها إلى التراث الإغريقي ، أو الروماني الإغريقي G r eco صلى الله عليه وسلمoman ، كان الناس - في مجموعهم - يعيشون بشخصية مزدوجة: بقايا دين ، وبدايات انسلاخ من الدين ..

ولكن هذه الحالة لا يمكن أن تستمر ..

فرويدا رويدا لا بد أن تتغلب إحدى الشخصيتين على الأخرى حتى تمحوها ، أو في القليل تخفيها في ظلها ..

وحدث ذلك في أوربا بالفعل . وكما كان متوقعا من أحوال أوربا ظلت الشخصية المنسلخة من الدين تقوى وتقوى ، حتى محت الشخصية المتدينة تماما ، أو في القليل أخفتها في الظل ..

وكان المتوقع للأمة الإسلامية أن تمر بذات الظاهرة ، ظاهرة ازدواج الشخصية لفترة من الزمن ، ثم تتغلب إحدى الشخصيتين على الأخرى في النهاية .

وبالفعل خاضت الأمة التجربة ، وقطعت فيها شوطا غير قصير ..

ثم بدأت إحدى الشخصيتين تتوارى .. وبدأت الأخرى تظهر وتبرز . ولكن الأمر كان على غير ما توقع الكثيرون ! كان مخالفا تماما لما وقع في أوربا .. !

كانت الشخصية التي بدأت تبرز هي الشخصية العائدة إلى الإسلام !

الصحوة المباركة

جاءت الصحوة على غير توقع من كثير من الناس ، سواء منهم من كان يتمناها في قرارة نفسه ، ومن كان يرجو ألا تحدث أبد الدهر !

كانت الأمة قد أوغلت كثيرا في التيه ، وبعدت كثيراً عن خط الإسلام .

فأما الصليبيون والصهيونيون ، الذين كانوا يخططون منذ مائتي سنة على الأقل لإبعاد الأمة عن دينها فقد كانوا يظنون أنهم أفلحوا تماما في الفضاء الأخير عليها .. وكان لديهم ما يسوّغ هذا الظن مما يرون من أحوال الأمة ، وسرعة انسلاخها من كل ما يمت للدين بصلة ، حتى الشعائر التعبدية لم يعد يؤديها إلا سكان الريف ، والمتقدمون في السن من أهل المدينة ، أما الشباب ، الذي أقبل على"المدنية"و"التقدم"و"التحرر"فقد هجر المسجد - كما أسلفنا - وصار همه تتبع"الفنانين"و"الفنانات"وأغاني الميوعة والرخاوة ، وأفلام السينما ، فوق انشغاله"بالصداقات"البريئة وغير البريئة مما عجت به الساحة بعد"تحرير المرأة"..

ولم تكن الطامة في انحراف السلوك وحده ، ولكن الأخطر من ذلك كان انحراف التصورات ، فانحراف السلوك وحده مع صحة التصور والاعتقاد يمكن أن يرجع صاحبه فيصحح سلوكه ، في لحظةٍ يستيقظ فيها ضميره ، فينتهي عن المعاصي ويستقيم . أما الذي فسد تصوره واعتقاده فلماذا يرجع ، وهو يرى ما هو فيه صوابا لا خطأ فيه ، ويرى - على العكس - أن الخطأ في العودة إلى الدين ؟

وأما أذيالهم من"المثقفين"الذين تشربوا سمومهم ، وفرحوا بها ، وراحوا يفاخرون بأنهم أصبحوا"كالخواجات"في كل شيء .. تصوراتهم واعتقاداتهم وأنماط سلوكهم .. فقد ظنوا - كما ظن سادتهم - أن لن تقوم للإسلام قائمة بعد ذلك أبدا ، وأنهم هم - طلائع التحول ورواده - قد دخلوا التاريخ من أوسع أبوابه ، وأنهم هم القيادة الجديدة للمجتمع ، التي ستقود المجتمع كله إلى النور .. وتخرجه من الظلمات ..

وكان ظن هؤلاء وهؤلاء مبنيا أساسا على التجربة الأوربية ..

فتلك أمة كانت متدينة في يوم من الأيام ، وكان الدين حياتها وفكرها ومرجعها الذي ترجع إليه في أمورها .. ثم تحولت عنه ، ونسيته كأن لم يكن قط ، وأحالته إلى متحف التاريخ ، وَوُلِدَتْ ميلادا جديدا لا علاقة له بأوضاعها السالفة ..

وهذه أمة كانت متدينة كذلك في يوم من الأيام ، وكان الدين حياتها وفكرها ومرجعها .. ثم أخذت تتحول عنه بذات الوسائل وذات الأفكار التي جعلت أوربا تخرج من دينها ثم تنساه .. فما الذي يمنع أن تكون النتيجة هنا مثل النتيجة هناك ؟!

وهنا أخطئوا التقدير .. !

نقول ابتداء إن الله شاء للأمة الإسلامية غير ما شاء لأوربا .. والذي يكون بالفعل هو ما يشاؤه الله ، لا ما يشاؤه العبيد ..

ولكنا نقول كذلك إن قدر الله يجري من خلال سنن وأسباب ..

فما الذي اختلف في الأوضاع هنا عن الأوضاع هناك ، فجعل النتيجة هنا غير النتيجة هناك ؟!

أمور كثيرة في الحقيقة ، لم يدركها الصليبيون والصهيونيون وأذيالهم من"المثقفين".. ولم تلتفت إليها الأمة ذاتها إلا بعد أن بدأت طلائعها تخرج من التيه

كان هناك أولا فارق الدينين .. وهو عظيم .

هنا دين الله الحق ، الذي حفظ الله كتابه وسنته ، ومهما انحرف الناس عنه في وقت من الأوقات ففي إمكانهم أن يعودوا إليه ، لأن المرجع موجود ، لم يحرف ولم يبدل ، ولم تمتد إليه يد بالتغيير ؛ وهناك دين لم تعرف أوربا أصله في واقعها القديم ولا في واقعها الحديث ، فالكتاب المنزل حُرف وبدل ، واستبدلت بعقيدة التوحيد المنزلة من الله على نبيه عيسى عليه السلام عقيدة أخرى ما أنزل الله بها من سلطان ، جعلت الواحد ثلاثة ، والثلاثة واحدا ، وأنشأت خليطا متناقضا لا تسيغه العقول ، فضلا عن فصل العقيدة عن الشريعة وتقديم الدين للناس عقيدة بغير تشريع .

وكان هناك ثانيا فارق الرجال الذين حملوا الدين وعلموه للناس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت