إن العالم كله اليوم مصرّ على محاولة محو الإسلام من الأرض .
وليست هذه هي المرة الأولى التي يصرّ فيها الأعداء على هذه المحاولة ، منذ بعثة صلى الله عليه وسلم إلى اليوم ، فقد جاء في كتاب الله الذي أنزل من نيّف وأربعة عشر قرنا قوله تعالى:
( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (101) .
( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (102) .
والضمير في الآيتين يعود إلى ذات الأعداء الذين يريدون اليوم أن يطفئوا نور الله: اليهود والنصارى والمشركين ، وعملائهم من المنافقين:
( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) (103) .
( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ) (104) .
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (105) .
ولكن ربما كان الفرق بين المحاولة الحاضرة والمحاولات السابقة أنه في المحاولات السابقة كان بعض الأعداء يهاجمون أجزاء من العالم الإسلامي في الوقت الواحد . أما في هذه المرة فالهجوم واقع من جميع الأعداء ، وعلى العالم الإسلامي كله في وقت واحد .
وثمت فارق آخر ، ربما كان هو السبب في الحقيقة في وجود الفارق الأول: هو أن العالم الإسلامي - في مجموعه - لم يكن في وقت من الأوقات أضعف منه الآن ..
وقد تبدو الهجمة الشرسة مستغربة مع ضعف العالم الإسلامي ، واستسلامه لما يراد به عسكريا وسياسيا واقتصاديا وفكريا ، وعجزه عن رد اللطمات المتلاحقة الموجهة إليه عن يمين وشمال .
ولكن ربما يزول العجب إذا عرفت الأسباب ..
وهناك سببان اثنان على الأقل لهذه الهجمة الشرسة التي يتكاتف على توجيهها كل أعداء الإسلام ، حتى الذين بين بعضهم وبعض عداوات حادة كالتي بين الصرب والكروات ، تمنع التقاءهم على أي شيء .. إلا محاربة الإسلام !
السبب الاول أن أعداء الإسلام الذين تآمروا ضده خلال القرنين الماضيين ، وخططوا وأحكموا التخطيط ، ونفذوا بدقة كل مخططاتهم ، كانوا قد ظنوا أن تخطيطهم سيقضي على الإسلام القضاء الأخير ، وأنهم سيرتاحون إلى الأبد من ذلك العدو الذي دوخهم خلال التاريخ . وكان القضاء على الدولة العثمانية بالذات ، وتفتيت تركة"الرجل المريض"إلى دويلات هزيلة ضعيفة فقيرة وفوق ذلك متعادية متنابزة ، أكبر نصر انتصروه على الإسلام في التاريخ كله ، ففركوا أيديهم سرورا بنجاحهم ، وجلسوا يقطفون الثمار ..
وفجأة برزت الصحوة !
ولك يكن إمكان حدوث اليقظة غائبا عن أذهانهم ، بل كان له مكانه الواضح في تخطيطهم ..
في عام 1907م ظهر تقرير لورد كامبل . وهو أحد اللوردات البريطانيين ، كانت بريطانيا ( العظمى يومئذ ! ) قد عهدت إليه بدراسة ما كان قد بدأ يقلق الدول الاستعمارية من بوادر اليقظة في المنطقة العربية من العالم الإسلامي . فقام بالمهمة ودرس الأمر ، وخرج بتقريره الموجه إلى الدول الإستعمارية كلها في الحقيقة ، وإلى بريطانيا وفرنسا بصفة خاصة ، بوصفهما المهيمنتين الرئيسيتين على القسم العربي من العالم الإسلامي ، فقال"هناك شعب واحد يسكن من الخليج إلى المحيط ، لغته واحدة ، ودينه واحد ، وأرضه متصلة ، وتاريخه مشترك . وهو الآن في قبضة أيدينا ، ولكنه أخذ يتململ ، فماذا يحدث لنا غدا إذا استيقظ العملاق ؟". ثم أجاب على السؤال بما يطمئن"أصحاب الشأن"فقال:"يجب أن نقطع اتصال هذا الشعب بإيجاد دولة دخيلة ، تكون صديقة لنا وعدوة لأهل المنطقة ، وتكون بمثابة الشوكة ، تخز العملاق كلما أراد أن ينهض !!" (106) .
تلك هي إسرائيل .. مؤامرة صليبية صهيونية واضحة ضد الإسلام ..
ولكن"أصحاب الشأن"لم يكتفوا بذلك في مواجهة الصحوة المتوقعة التي عبر عنها"كامبل"بأن العملاق قد"أخذ يتململ". فقد ربوا"زعامات"و"قيادات"تستوعب الغضبة إذا حدثت في نهاية الأمر على الرغم من كل الاحتياطات ، وتحولها إلى زَبَدٍ ، ينتشر على السطح ، ثم ينفثئ بعد فترة دون أن يخلف شيئا على السطح ! زعامات"سياسية"وقيادات"شعبية"تملأ الجو عجيجا ، ثم لا تمس في النهاية"مصالح"أصحاب الشأن ، بل قد تزيدها رسوخا ، والشعوب لاهية تصفق للقادة"الأبطال"وهو يُسْلِمُون بلادهم للدمار !
وهذا بجانب السينما والمسرح والإذاعة ( ولم يكن التليفزيون قد ظهر بعد ) والصحافة ومناهج التعليم .. وتحرير المرأة (107) !
ومع ذلك كله قامت الصحوة !
فماذا تتوقع من الذين كانوا قد خططوا ، وظنوا أن تخطيطهم قد قضى على الإسلام بغير رجعة ؟!
أما السبب الثاني - المتصل بالصحوة كذلك - فهو ما ألمحنا إليه من قبل ، من معرفتهم بحقيقة هذا الدين ، وبأن هذه الصحوة إن استقرت في القلوب فلا سبيل إلى وقفها حتى تأخذ مداها ..