من هذين السببين معاً: الحنق من فشل مخططات قرنين من الزمان أو أكثر ، والفزع على"المصالح"التي تهددها الصحوة الإسلامية إذا استمرت في الامتداد ، نستطيع أن ندرك السعار المحموم الذي يجري في الأرض كلها لضرب الحركة الإسلامية .
ولو كانت هذه"المصالح"مشروعة ، أو معقولة ، فما كان لها أن تخشى من الإسلام من شيء ، والإسلام هو الذي أمَرَ بالعدل مع أهل الكتاب ، فوجه الله ورسول صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: (.. وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ(108) وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ..) (109) .
ولكن"مصالحهم"التي يعلنونها أحيانا ويسرونها أحيانا هي ألا يكون إسلام في الأرض .. ودون ذلك تقف مشيئة الله .
(.. وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (110) .
إذا فهمنا سر الهجمة الشرسة ، وأدركنا الإصرار المحموم على ضرب الحركات الإسلامية لإبادتها ، فما الذي نتوقع من أمرها في الغد القريب أو الغد البعيد ؟
نتوقع كل الخير .. !
ولا نقول هذا من باب تصديق الأمانيّ ! إنما نقوله على ثقة بوعد الله ، وعلى ضوءٍ من السنن الربانية التي يجريها الله ويُجْري بها أمور البشر في الأرض .
فأما الغرب الصليبي الصهيوني وعملاؤه فإنهم يعملون بحماقة شديدة ضد"مصالحهم"!
إنهم بهذا السعار المحموم الذي يمارسونه في محاولة إبادة الحركات الإسلامية ، يربون الجيل الذي لن يقدروا عليه ! ويتم ذلك في غفلة منهم ، بتدبير رباني ، كأنما قدر الله يسوقهم سوقا لإخراج ذلك الجيل على أيديهم !
إن الانفجار يحدث دائما حين يستوي الموت والحياة عند الناس ، أو حينما يكون الموت أيسر على الناس من الحياة !
وكل الانفجارات التي حدثت في التاريخ سبقها سعار محموم لإبادة تيار متصاعد ، ظن الطغاة أنهم يستطيعون القضاء عليه بالقهر والتعذيب !
والذي يجري في الأرض كلها اليوم من محاولات لإبادة المسلمين ، سواء في البوسنة والهرسك ، أو كشمير ، أو فلسطين ، أو بورما ، أو طاجكستان ، أو داخل سجون التعذيب .. لن تكون نتيجته إلا إخراج أجيال أصلب عودا ، وأكثر عنادا ، أطول نفسا ، وأكثر وعيا بحقيقة المعركة التي تدور في الأرض بين دين الله وأعداء الله .
وتلك النتيجة هي - بيقين - ضد"مصالح"أصحاب الشأن !
ولو تعقلوا ما فعلوا ذلك .. ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ) (111) .
إن الإسلام قادم ، من أيّ طريقيه جاء ، كما قلنا في كتاب"دروس من محنة البوسنة والهرسك"، إما بتيار هادئ يعمل في رزانة وتؤدة ، ليصل على مهل إلى أهدافه ، وإما بتيار غاضب صاخب ، يلجأ إلى العنف ويستعجل الطريق !
ونحن - كما قلنا في ذلك الكتاب - نفضل ألف مرة التيار الهادئ ، الذي يعمل في رزانة وتؤدة ، ولو استغرق عمله بضعة أجيال ! ولكن ما حيلتنا في حماقات الغرب ، وحماقات إسرائيل ؟!
إذا كان هذا حال الأعداء .. فما حال الصحوة ؟
إذا راجعنا مسار الصحوة - كما ينبغي لنا أن نفعل - فسنجد - كما ألمحنا من قبل - أنها قامت بجهد كبير ، تبدو آثاره واضحة على الساحة . ولكنها تعجلت كثيرا في بعض الخطوات ، وأبطأت كثيرا في بعض المجالات ، وتركت بعض المجالات فلم تبذل فيها الجهد المطلوب ..
وليس هنا مجال التفصيل في ذلك كله (112) . ولكن لا بد من إشارات سريعة توضح ما نقول .
قامت الصحوة بجهد"إعلامي"كبير ، على الرغم من حرمانها المتعمد من معظم وسائل الإعلام !
والوعي الإسلامي القائم عند الجماهير اليوم ، مرده - بعد فضل الله - إلى الصحوة المباركة ، وإلى الجهد الدائب الذي بذلته خلال أكثر من نصف قرن في تعريف الناس بالإسلام .
وذلك جهد لا بد أن يذكر ..
فلو أننا راجعنا حال المسلمين في القرن الماضي ، ومدى الغربة التي لفّت الإسلام في طياتها ، حتى أصبح غريبا على أهله ، وأصبح ما يتمسكون به على أنه الإسلام كأنه دين آخر غير دين الله المنزل .. إذا راجعنا تلك الحال ، وقارناها بالحاضر الذي تمور به الساحة مورا ، أدركنا على الفور مدى الجهد الذي بذلته الدعوة في هذا المجال .
ولقد كان أبرز ما قامت به الصحوة في هذا المجال هو العمل لإزالة آثار الفكر الإرجائي والفكر الصوفي والتفلت من التكاليف ، أو في القليل تخفيف آثارها .. وقد كانت هذه الثلاثة من أشد ما أصاب الأمة الإسلامية بالضعف والخذلان .