ونشير أيضًا إلى أن النشاط الإسلامي نشاط متسع ومتعدد المجالات فهناك دورات القرآن الكريم وقد زادت بمعدل مرتين بين عامي 1970 ( كانت 2610 دورة ) و عام 1990 ( أصبحت 5170 دورة) ، وهناك معاهد تخريج الدعاة التى بلغ نصيبها نسبة 48%من إجمالي المعاهد المتوسطة في تركيا ونسبة 18% من إجمالي عدد المدارس في المرحلة الثانوية، وهناك نحو 500 صحيفة ومجلة إسلامية، و350 محطة إذاعة وأربع محطات تليفزيونية ...إلخ
القوى العلمانية واضطهاد الإسلاميين
رغم هذا الاتساع والتوسع إلا أن الحركة الإسلامية تعاني من اضطهاد شديد في تركيا.وإذا كان ما حدث مع أربكان وحزب (الرفاه) مؤشرًا على ذلك إلا أن ثمة تاريخًا طويلاً من الاضطهاد.ونشير هنا إلى إعدام رئيس الوزراء التركي عدنان مندريس عقب الانقلاب العسكري في عام 1960 بحجة إنقاذ وحماية العلمانية من الخطر الديني الإسلامي الذي قام بتنشيطه ولعب دوراً مهماً في نشره !
وقد تكرر الأمر نفسه في انقلاب عام 1971 الذى بُرر وقتها بإنقاذ العلمانية من الخطر الذى يحيق بها بسبب التصاعد في المد الإسلامي ، وكان الانقلاب الثالث الذي قاده كنعان افرين في عام 1980 للسبب نفسه ، بل كان السبب المباشر لهذا الانقلاب هو مهرجان تحرير القدس الذى نظمه حزب (السلامة الوطني) والذي تحول للمطالبة بإقامة دولة إسلامية ورفض العلمانية وقام ايفرين - صاحب مقولة: عند الشريعة فالانقلاب مشروع - بحظر الأحزاب السياسية وسجن قادتها وعلى رأسهم - بطبيعة الحال- (حزب السلامة الوطني) بزعامة نجم الدين أربكان ، وقد تواصل الاضطهاد العلماني ضد الحركة الإسلامية وتوسع في صور ومواقف أبرزها: لائحة المطالب التى وجهها مجلس الأمن القومي التركي لأربكان والتي اضطر معها للاستقالة من رئاسة الوزارة.كما طولب بتنفيذ لائحة احتوت على 20 بندًا منها ضرورة إبراز وإحياء المادة 163 من قانون العقوبات والتي تنص على تجريم أي نشاط سياسي بدافع ديني، وهي مادة سبق وقف العمل بها في عام 1991 ، ومنها منع تشجيع ارتداء الحجاب، ومنها العمل على جعل السياسات التعليمية مشمولة بقانون توحيد نظم التعليم، ومنها تحديد عدد مدارس تخريج الدعاة وتحويل العدد الفائض إلى التعليم المهني، ومنها إيقاف تعيين الموظفين"الأصوليين"في المؤسسات الحكومية ، ومنها المراقبة المالية الدقيقة للمؤسسات المالية التابعة للجماعات الدينية (الإسلامية) ومنع تحويلها إلى قوة اقتصادية ، ومنها مراقبة الإعلام المسموع والمطبوع والمرئي الذي يتخذ منهجًا معاديًا للعلمانية .
ولم يكتف مجلس الأمن القومي التركي العلماني بكل ذلك ففي هذه المدة صدرت قرارات متعاقبة بطرد ضباط إسلاميين ، وأقر البرلمان قانونًا - بضغط من مجلس الأمن القومي- يقضي بوضع المدارس الدينية الخاصة تحت إشراف المؤسسة الدينية الرسمية، وحل الجماعات والفرق الدينية وحظر أنشطتها، ومنع بناء المساجد دون الحصول على موافقة مسبقة من الهيئة الدينية الرسمية ، ووضع البعثات التعليمية إلى الخارج تحت إشراف لجنة مشتركة من وزارات الدفاع، والداخلية، والخارجية، والأمن القومي، ووكالة المخابرات خوفًا من ارتباط الطلاب بتنظيمات إسلامية في الخارج.
أما واقعة نائبة البرلمان التي طردت منه بسبب ارتدائها للحجاب، فكانت بدورها مؤشرًا على درجة الاضطهاد، ووصفت بأنها رسالة شديدة اللهجة للحركة الإسلامية للدرجة التي ستصل إليها المواجهة ، حيث تم إسقاط الجنسية التركية-إلى هذا الحد- عن نائبة حزب (الفضيلة) مروة كاوكاجى التي أصرت على حضور الجلسة الافتتاحية للبرلمان في مايو 1999 وهي ترتدي الحجاب فاتهمت بأنها خطر أصولي يهدد علمانية الدولة وأنها تحرض على الحقد العرقي والديني.
فرص الإسلاميين في الانتخابات القادمة
إذا كانت مدة النصف الثاني من العقد الأخير من القرن الماضي قد شهدت تصاعدًا في المد الإسلامي في تركيا؛ لعوامل متعددة منها ما هو محلي وما هو خارجي ، فإن المرحلة الراهنة تشهد هجومًا معاكسًا من القوى العلمانية سواء المتربعة على عرش الجيش ، أو القوى العلمانية المدنية، أومن القوى الخارجية.وإذا كانت الطريقة في المواجهة ضد الحركة الإسلامية لم تعد الانقلابات العسكرية، فإنها أصبحت أشد وأنكى ممثلة في سياسات عزل القادة سياسيا وحل الأحزاب وإسقاط الجنسية وتجفيف المنابع .
وإذا كانت المرحلة السابقة قد شهدت اجواءً أفضل خارجيًا، فإن العوامل الخارجية في هذه المرحلة باتت معاكسة تمامًا لوضع الحركة الإسلامية التركية بشكل خاص ، فإذا كانت تعاني مثلها مثل غيرها من الحرب الأمريكية المعلنة ضد الإسلام والمسلمين-بعد 11 سبتمبر- فإن الحرب على الإسلام في تركيا فرص الأعداء فيها أقوى بحكم سيطرة العلمانيين على الجيش وقوتهم في الحياة المدنية، ويضاف إلى ذلك أن الرغبة في الانضمام للاتحاد الأوروبي واشتداد التكالب التركي -العلماني-عليه وتزايد أجواء الحوار حول الانضمام تنعكس بدورها تشددًا على الحركة الإسلامية وتضييقًا عليها.