من هذه الأمثلة هو ما قامت به"الجماهيرية العظمى العربية الاشتراكية"من أنها قررت من تلقاء نفسها تدمير أسلحة الدمار التي لديها من صواريخ باليستية، وأسلحة جرثومية وكيمائية، وخط لإنتاج سلاح نووي، واستعدادها لفتح أراضيها أمام أي نوع من التفتيش من الأمم المتحدة أو هيئة الطاقة الدولية أو خبراء أمريكان أو أوروبيين وكل من هب ودب. وكانت الجماهيرية العظمى سلمت من قبل اثنين من المتهمين في أحداث لوكيربي وتمت محاكمتهما، ومازال أحدهما محبوسًا في السجون الهولندية بعد صدور الحكم بإدانته، ثم قامت الجماهيرية بدفع 3.7 مليار دولار كتعويضات لضحايا الطائرة..! كل هذا لإرضاء الغرب وتبييض الصفحة، وقد فسر البعض ذلك على أن الرئيس أو الزعيم الليبي معمر القذافي عندما رأى ما حدث لصدام حسين فضل أن يقوم بكل أنواع الاسترضاء للأمريكان عملاً بحكمة الفيلسوف (بيدبا) :"ما الذي جعلك تفعل هذا يا ثعلب؟ قال: رأس الذئب الطائر"ولعل أوساط الجماهيرية الليبية ترفض هذا التفسير، ولكن وزير الخارجية البريطاني جاك سترو قال:"إن الحرب على العراق وسقوط النظام العراقي قد ساعد ليبيا على اتخاذ قراراها الأخير بالتفاهم مع لندن وواشنطن".
التبرير الليبي للقرار تجاهل هذا بالطبع، واعتبر أن القرار لا علاقة له بما حدث في العراق ولا بمصير صدام، وأن ذلك يرجع إلى رغبة ليبية في نزع أسلحة الدمار الشامل من المنطقة، وأنها تبدأ بنفسها، وأن ليبيا تريد التركيز على التنمية الاقتصادية ومعيشة شعبها واستبدال السيف بالمنجل. وبدهي أن هذا الكلام يحمل كثيرًا من الخداع والمغالطة.. فنزع أسلحة الدمار الشامل من المنطقة لا يكون بقرار فرديّ من ليبيا؛ بل بالتفاهم مع دول المنطقة العربية والإسلامية مثلاً ليبيا ومصر وسوريا، وربط ذلك بنزع الأسلحة الإسرائيلية المؤكدة وليست المحتملة كما في حالة العرب وإيران؛ فإسرائيل تملك على أقل تقدير 200 رأس نووي وآلاف الأطنان من الأسلحة البيولوجية والكيمائية. وهكذا؛ فإن الزعم بأن القرار الليبي يحرج إسرائيل.. هو كلام بلا رصيد؛ فمتى كان الإحراج وسيلة لانتزاع الحقوق والمواقف؟! ومتى كان الإحراج أصلاً يؤثر في إسرائيل بالذات؟!.
ثم القول بأن ذلك يضع إسرائيل في حرج أمام المجتمع الدولي هو قول ناقص؛ فالصحيح أن ذلك يضع سوريا ومصر وإيران في حرج أكبر، ليس أمام المجتمع الدولي فقط وإنما أمام أمريكا بالذات، ويضعف موقف هؤلاء تمامًا، وخصوصًا سوريا أمام التحرش الأمريكي. وهكذا فالقرار خاطئ من هذه الناحية، أما من ناحية التركيز على التنمية في ليبيا؛ فهذا الكلام لو كان حقيقيًّا؛ فمعنى ذلك أن هناك خطأ ارتكب في حق الشعب الليبي لمدة 34 سنة من حكم الثورة الليبية. ألا يحق للشعب الليبي إذًا محاكمة المسؤول عن هذا الخطأ المستمر لمدة 34 سنة، ومحاسبته على تأخير تنمية ليبيا هذه المدة، وإنفاق المليارات على مشروعات تسليح تم تضييعها بشكة دبوس فجأة؟.
ولا يفهم من كلامنا هذا أننا مع هذه الطريقة في التسليح لا.. إننا ضد التنمية بدعوى الإنفاق العسكري؛ فالصحيح أن التنمية تأخرت لأن هناك فسادًا وسوء تخطيط وديكتاتورية، وليس فقط بسبب الإنفاق العسكري، وكذلك لأن الأسلوب الصحيح للتسليح ليس اقتناء الطائرات والدبابات والصواريخ ..إلخ؛ بل تسليح كل الجماهير بالسلاح الخفيف لأن الآلة العسكرية الأمريكية قادرة على تدمير وهزيمة الجيوش الثقيلة بسهولة وبيسر وسرعة، وبالتالي فالجري وراء هذا الوهم هو سراب؛ بل هذا ما يريده بالضبط الأمريكيون، وربما يكون من الصحيح هنا أن نقول إنه تم معاقبة الحكومات والدول التي تقوم بالتنمية وترفض استيراد هذا السلاح الثقيل وأسلحة الدمار الشامل؛ لأنها تدفع فيه ثمنًا باهظًا لخبراء وصناعات الغرب، ثم تجعل نفسها أسيرة الاتهام، وإن المقاومة الشعبية وبالتالي تسليح الجماهير بالسلاح الخفيف وإطلاق حريتها في التعبير وإنهاء الديكتاتورية أسلوب لا تستطيع أمريكا ولا أقوى منها ولا أكبر أن تواجهها.
تخاذل إيران
المثال الثاني هو إيران.. وإيران حاولت استرضاء أمريكا خاصة في القطاع الإصلاحي من السلطة بمواقفها المريبة والمزرية في أفغانستان، ثم في سكوت الشيعة في العراق وعدم مشاركتهم في عمليات المقاومة، وتعاون المجلس الأعلى للثورة في العراق -وهو محسوب على إيران- مع أمريكا، و مشاركته في مجلس الحكم، وتراجع الموقف الثوري لحزب الله، ثم قبول إيران شروط هيئة الطاقة الدولية وتوقيعها على البروتوكول الإضافي.
ولكن ذلك لن يحل المشكلة؛ فالمطالب الأمريكية لن تنتهي بخصوص إيران أو ليبيا، وحادثة تعكير الحمل للماء معروفة ومشهورة ولن تقدم القريحة الأمريكية والإسرائيلية البحث عن المزيد من الطلبات والشروط، ويمكن لي شخصيًّا أن استنتج بدون عناء بعض هذه المطالب: