فهرس الكتاب
ولقد رأينا التّواطؤ الواضح بين الرّوس وحلف النّاتو ـ الأطلسيّ ـ ، في موافقة علنيّة منه على استخدام الرّوس للأسلحة الكيماويّة واستخدام أسلحة الدّمار الشّامل ضدّ المسلمين في الشّيشان. قال الأمين العام للحلف الأطلسيّ إثر زيارته لموسكو:"إن ّمن حقّ روسيا حماية أمنها وحفظ أراضيها ومكافحة الإرهاب ولا أحد يستنكر على روسيا استخدامها أيّ وسيلة في حربها للإرهاب في الشّيشان".
وقد صدرت تصريحات صريحة شبيهة على منوال تصريحات نيكسون من قادة غربيين في أعلى المستويات من أمثال هوفمان الذي كان مدير استعلامات النّاتو في بروكسل، فقد قال:
"يضع جنرالات النّاتو في حسابهم أنّ أكثر المواجهات العسكريّة احتمالاً في المستقبل لن تكون بين الشّرق والغرب ولكن الشّمال والجنوب، فالإسلام هو العدوّ المتنامي المرتقب".
و في الثّمانينات صدر كتاب ل: ستيف وايسمان وهربرت كروزني"القنبلة الإسلاميّة"حذّرا فيه الغرب من حماس والعراق وليبيا وباكستان للحصول على التقانة النووية ويربطان حركة هذه الدّول في هذا الاتجاه بالإسلام والمسلمين في العالم.
ونادى هنري كيسنجر ودانييل بايبس ومارتن كريمر وجون لوتواك بمعاداة الظاهرة الإسلامية وبالتّعاون مع الحكومات العربيّة الحريصة على استئصالها حسب تعبير كريمر.
كما اعتبرت دانكوس وجود ظاهرة"الإسلام السياسي"هو خطيئة لا تغتفر ولا بدّ أن تتضافر كلّ جهود العالم المستهلك للنّفط للتّخلّص من هذا"الخطر"ودعت إلى تطويق ظاهرة"الإسلام السّياسيّ"وإبعاده عن كلّ"مركز القرار". فهذه بعض الكتابات والتّصريحات تبيّن بكلّ جلاء أنّ الغرب بقيادة أمريكا هو المحرّض على المسلمين منذ زمن بعيد وهو الدّاعي إلى الصّدام الحضاري والصّراع الدّينيّ، فليس فوكوياما وهنتنجتون وغيرهما من المفكّرين، هم أوّل المنظّرين لترشيح العالم الإسلاميّ لخلافة الإتّحاد السّوفياتي في الصّدام مع الغرب، بل إنّ السّاسة الأمريكيّون الكبار هم أوّل الدّاعين إلى ذلك.
توظيف الغرب دينهم للحرب على المسلمين:
لماذا يريد العلمانيّون العرب أن يبعدوا الدّين الحقّ من حياتنا الإسلاميّة، والغربيّون يواجهون المسلمين بعقائدهم الباطلة، فهذا بوش الابن قد جعل من الدّين مبرّرا أساسيّا للسّياسة الخارجيّة الأمريكيّة لغزو أفغانستان والعراق والصّومال، فاستخدم"الفتاوى"الصّادرة عن الكنائس الصّهيونيّة المسيحيّة الأميركيّة واستعمل نصوص الإنجيل وأسفار التّوراة (العهد القديم) لتبرير تلك الحروب القذرة، واستخدم تعبيراتهما الدّينيّة واستشهد بفقرات منهما، وجعل المسلمين وإسلامهم هو الشّرّ الذي يجب دحره،.
فما إن وقعت أحداث11 سبتمبر، وبعد ساعات قليلة من حدوثها، قال أنّ تلك الهجمات تمثّل"انطلاقة الحرب الكونية ضد الشّرّ"، وقال:"إنّ الولايات المتّحدة مدعوّة لكي تتحمّل"مهمّتها التّاريخيّة"وأنّ"الرّدّ على هذه الهجمات هو تخليص العالم من الشّرّ". وشدّد على أنّ النّصر مؤكّد في هذه الحرب لأنّ الله يقف إلى جانبه. وقال:"أشعرأنّ الله يريدني"، وردّد حينها خلال خطاب بثّته وسائل الإعلام المزمور التّوراتيّ رقم 23 الذي يقول:"تقدم إلى الأمام ودافع عن الحرّيّة وعن كلّ ما هو خير وعادل في عالمنا"."
ولقد استعمل بوش ومن معه ذلك الخطاب التوراتيّ والإنجيليّ طيلة الإعداد للحرب قبل أفغانستان وأثناءها وبعدها وصولا إلى الحرب على العراق. وهذا يعكس عمق توغّل الأسطورة اليهوديّة والمسيحيّة التي تتلبّس ذهنيّة اليمين المسيحيّ المتصهين في البيت الأبيض والكونغرس الأمريكي. وهو ما يفسّر سعي اليهود لتحقيق حلمهم الموعود بتشتيت وتقسيم جغرافيا بلاد مابين النّهرين إلى دويلات وكانتوتات كارتونية صغيرة، ووأد الحلم الرّافديني باستعادة دوره الرّيادي في قيادة المعمورة، باعتباره الأرض - الامّ الذي خرج من معطفها جميع أبناء المعمورة ـ سيما وأنّ أكثر من مفكر وعبقري غربي قد أشار إلى أنّ هناك أساطير وخرافات تؤسّس للسّياسة الأمريكيّة مثلما تؤسّس للسّياسة الإسرائيليّة.
هذا والذي يعتقد، أنّ أساطير وتخيّلات قد استولت على العقل الباطني لبوش الذي آمن وأيقن بأنّ جيش يأجوج ومأجوج ستتكوّن جاهزيّته العسكريّة في العراق عدّةً وعدداً، وسينطلق لإبادة العالمين الأمريكيّ والغربيّ قريباً، إذا لم يقم بالحرب الإستباقيّة ويجيّش عليه الجيوش ويفتك به بالسّرعة اللاّزمة. وصارت هذه عقيدة في كينونة الرّجل فسعى يشحن بها نفوس حكّام الغرب، وَهَمَّ بِهِم يريد أن يقنع من خالفه منهم في هذه الحرب الجنونيّة القذرة، وهو مضمون خطابه في المكالمة الهاتفيّة بينه وبين جاك شيراك قبيل الحرب على العراق.