وإنما يدفع دول العالم إلى هذا اللهاث أن المنظمة العولمية هذه أمسكت بزمام الاقتصاد العالمي، حتى بدا أن مصالح الشعوب لا تتم إلا بالانضمام إليها، والولاء لملّتها، وإلا فليصارع الرافض الممتنع البقاء.
الثاني: نشر الحرية الفكرية والدينية في كل مجتمع، ومنع غلبة دين أو فكر في أي مجتمع، ورد الشرائع التي يجري عليها عمل كل مجتمع إلى مجموع ما فيه من ديانات وأفكار.
واتخذت (الديمقراطية) دعامة تُثبت هذا الهدف.
فالديمقراطية نظام ثقافي يقوم على تمكين كل أصحاب دين أو فكر من ممارسة شعائره ونشر تعاليمه والدعوة إلى مبادئه، وتكوين قاعدة شعبية له من أفراد المجتمع، وذلك في ظل حزب يشكله ويتخذ مقرًا له، وهيئة تتولى إدارته وتأسيس مطبوعات دورية ونشرات دعائية، والقيام بسائر النشاطات الثقافية التي يمارس من خلالها عرض ثقافته والدعوة إليها، وفي الديمقراطية مجلس تشريعي يسمى (البرلمان) إليه يرد سنُّ القوانين وتشريع الأحكام التي تكون شريعة المجتمع، تفرض على أفراده يلتزمونها ويتحاكمون إليها. وهذا البرلمان يتكون من مقاعد يشغلها المنتخبون من مرشحي الأحزاب، تقسم بينهم بنسب تعادل النسب التي يشغلها كل حزب في المجتمع. يجتمع هؤلاء ويقترح من شاء ما شاء من قوانين للمجتمع، ويعرض اقتراحه بعد مداولات على التصويت، فإن فاز بأغلبية أصوات أعضاء البرلمان اعتمد قانونًا يخرج للمجتمع للعمل به والتحاكم إليه، يخرج تشريعًا يحمل هوية شعبية مشتركة، لا هوية أي دين أو فكر اقترحه أو أعطى صوتًا له.
وعليه فليس للمجتمع ملة إلا ملة العولمة في نظامها المسمى بالديمقراطية، وكل ملة تنتهي في هذا النظام عند اقتراح تشريعاتها في برلمانه، فإن فازت أو شيء منها بأغلبية الأصوات استحالت شريعة شعبية ديمقراطية.
وأي حزب أراد أن تغلب في المجتمع تشريعات ثقافته فعليه ممارسة أكبر جهد لتكوين أكبر قاعدة شعبية له، لعله يحظى بأكبر عدد من مقاعد البرلمان، فيستطيع تمرير مقترحاته بأغلبية الأصوات، ثم هي بعد هذا لن تنسب إليه ولن تحمل اسمه.
الثالث: تعميم نظام دولة في كل مجتمع يحكم شؤونها بتمكين ثقافة الديمقراطية وممارستها عمليًا ورعايتها وحراستها وحماية حماها، فلا تتمكن أي ملة أو فكر من الإفلات من سلطة هذا النظام وتولي زمام الأمور.
واتخذت (العلمانية) دعامة تثبت هذا الهدف.
والعلمانية هي السلطة التي أقصت سلطة الكنيسة في المجتمع الغربي، وعزلتْ الدين عن الدولة وقيدته بالفرد، جعلته حريته التي لا تتجاوزه إلى غيره، فهي في أصلها حركة تمرد على التدين بدينٍ؛ إذ هي (اللادينية) ، وما دام الأمر على هذا فليس خير منها للعولمة في سياسة المجتمعات، وقمع تسلط الديانات فيها، وهي السلطة التي تمنح التصريح لإنشاء الأحزاب أو تمنعه، وهي التي تراقب وتشرف على حركة الأحزاب وممارساتها، وتنظم انتخابات المجلس التشريعي، وتنفذ القوانين التي يصدرها.
الرابع: تمكين تمييع الأديان وإزالة خصوصياتها بضم شعائرها بعضها إلى بعض لتكوين شعائر موحدة للعالم، والتقريب بين شرائعها للخلوص إلى شريعة موحدة للعالم.
واتخذت (وحدة الأديان) دعامة تثبت هذا الهدف.
والدعوة إلى وحدة الأديان والتقريب بينها دعوة غير خافية ولا مجهولة، فهي قائمة على قدم وساق منذ زمن ليس بالقريب، ولا تسل عن كثرة المؤتمرات والندوات الدورية في الشرق والغرب تتوالى فيها الدراسات للتقريب بين المسيحية والإسلام.
وفي الفاتيكان مركز لأرشفة الدراسات في التقريب، وتسهيل الاطلاع عليها واستفادة الباحثين منها.
ولا تسلْ عن شعار (الإبراهيمية) الذي استحدثه دعاة الوحدة، والصلاة الإبراهيمية التي رعتها الأمم المتحدة، وهي خليط من صلاة المسلمين والنصارى اليهود، ولا عن الدعوة إلى طبع القرآن مع الكتاب المقدس في مطبوعة واحدة مجتمعة بين دفتين، ولا عن إنشاء المبنى الواحد المشتمل على المسجد والكنيسة ودار الأوبرا، وشعار"الإبراهيمية"ناشئ عن دعوى أن الأديان السماوية الثلاثة تجتمع في الانتساب إلى إبراهيم - عليه السلام - فلا وجه للتفريق بينها.
هذا، وتقف هذه الصورة للعولمة بوسائلها ودعائمها أمام خلفية تطل من ورائها على النحو التالي:
أصل فكر هذه الملة (العولمة) ، ومنشأ منهجها وُلد من رحم معاناة النصارى من سلطان الكنيسة، ولم تكن صورتها في البدء إلا تنحية الدين عن القيادة في المجتمع الغربي في فكر سمي بالعلمانية، ثم أثمرتْ الدراسات الاستشراقية العمل على تعميم هذا الفكر والمنهج في العالم الإسلامي، وتمكين ذلك بخدمته بالوسائل والدعائم المذكورة، وبإدراج بقية العالم فيه ليخلص الكون لهذا المنهج فلا يند منه شيء عنه.