فهرس الكتاب

الصفحة 3148 من 27364

والدراسات الاستشراقية إنما أنشئت لتخدم أمرين: أحدهما: حاجة الغرب وضرورته لثروات الشرق الإسلامي، ونزعة الغرب بتاريخ قيصريته وغاراته الصليبية للحصول على تلك الثروات بيد عليا عزيزة لا سفلى ذليلة، ولا يكون ذلك إلا بسيادة على تلك الثروات لا تكون بالاحتلال العسكري المباشر؛ لأنه يثير التمرد ويؤدي إلى الصراع، فتتكدر السيادة أو تزال، ولكن بسيادة مستقرة دائمة آمنة، ولا سيادة تحقق ذلك كالسيادة الفكرية الروحية التي تضمن تبعية عقول أصحاب الثروات وسلوكهم للغرب، والسيادة الاقتصادية التي تضمن تعلق أسباب حياتهم بالولاء للسياسات الغربية.

والأمر الثاني في مقاصد الدراسات الاستشراقية هو التوصل إلى وسائل المواجهة الفعّالة لخطر الإسلام على الغرب الصليبي الخطر الذي لا يعوق طموح السيادة الصليبية فحسب، بل ويؤذن بإزالة ثقافتها ووجودها.

وقد سبق في تجارب صراع الصليبية مع عدوها هذا ما أظهر -بجلاء لا ريب معه ولا شك وراءه - أن الجند والسلاح والاحتلال، وإن أزالت في حينٍ دولة الإسلام إلا أنها لم ولن تستأصل شأفته، فهو يبقى حيًا ظاهرًا يغالب ظروفه بقوةٍ ذاتيةٍ شامخةٍ لا يضره من خذله.

وقد تيقنت تلك الدراسات أن خطر الإسلام يكمن في ذاته عقيدة ومنهجًا، فهو حيث كان سليمًا من القوادح كانت قوته واستشرت خطورته، فالحرب معه ذاته، وكلما أمكن تحريفه بالشبهات والصد عنه بالشهوات كلما أمكنت السلامة من خطره، ثم إن من أسرار قوته عالميته، فهو يخاطب كل فرد في كل عصر على كل شبر، ويجد خطابه القبول التام الواثق المتيقن؛ لأنه حاجة كل فرد ومنهج كل عصر وعمارة كل شبر، فكلما أمكن تحييده وتمييعه ومنع تميزه عن أي منهج يضاده، وجعله فردًا في مجموعة له ما لها وعليه ما عليها كلما أمكنت السلامة من خطره.

وأثمرت تلك الدراسات أن معالجة خطر الإسلام إنما تكون بما عولج به سلطان الكنيسة، بالعلمانية اللا دينية، ولما كان الإسلام عالمي المنهج والخطاب جابهوه بعالمية الإقصاء والاحتواء حتى لا تبقى له كوة يطل منها، ولكن من غير إثارة تلفت النظر، ولا صراعٍ يذكي روح المقاومة والدفاع، بل بسحر بيان وكهانة شيطان، بمنهج يعد ويمنّي ويضل ويأتي من أمام ومن خلف وعن يمين وعن شمال حتى يغيّر أمر الله ويغوي عن طريقه المستقيم، فكانت (العولمة) بوسائلها ودعائمها ذلك السحر وتلك الكهانة.

وابحث عن الإسلام في ظل العولمة ستجده حرية فردية، فإن ترقّى فحزب في جملة أحزاب، فإن ترقّى فمقعد وصوت في برلمان، ثم ليس له وراء ذلك جنس وجود.

وإذا علمت أن الإسلام دين الله وقد تكفل بحفظه، فاعلم أن (العولمة) حرب مع الله.

وإذا كنت مؤمنًا، وتصوَّرت عاقبة تلك الحرب استبشرت ولا بد.

ولينظر العاقل إلى أي الحزبين يركن.

والحمد لله في الأولى والآخرة لا شريك له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت