إذ لا تكاد الدول أن تصمد طويلاً أمام ضغوط المطالبات اليومية بالإصلاح والانفتاح، خاصة أن هذه المطالب تتفاعل مع المجتمعات بصورة مباشرة عن طريق وسائل الاتصال الحديثة، ففي سنة 1990م أدت تلك الضغوط إلى حصول المرأة في ثمان دول على الأقل على بعض المناصب الوزارية (10) ، وفي عام 1999م نالت المرأة القطرية حق الاقتراع والترشيح للمجالس المحلية، وفي العام نفسه جاءت الرغبة الأميرية في الكويت بمشاركة المرأة في الانتخاب والترشيح، لكنها تعرقلت نتيجة وقوف غالبية أعضاء مجلس الأمة موقفاً مضاداً لحقوق المرأة السياسية، وبحلول سنة 2000م ضم الملك البحريني عدداً من النساء لعضوية اللجنة الوطنية العليا لوضع ميثاق العمل الوطني، والذي أكد من خلاله على حق المرأة في الانتخاب والترشيح، ثم أتبعها بخطوة متقدمة أخرى، بإنشاء المجلس الأعلى للمرأة في أغسطس 2001م، وهو جهاز استشاري هدفه مساعدة حكومة البحرين في رسم السياسات المتعلقة بالمرأة، وفي سنة 2003م استجاب الرئيس المصري لمناشدات الجمعيات الحقوقية بالسماح للمرأة المصرية منح جنسيتها لأولادها، وفي 2004م تقدمت المملكة العربية السعودية خطوة لافتة في هذا المضمار، إذ سمحت للمرأة ولأول مرة بالمشاركة في الحوار القومي والمنتدى الاقتصادي العالمي.
كما وفرت"المواقع الحوارية"في شبكة الإنترنت للمرأة فرصة نادرة للتعبير عن رأيها بكل سهولة ويسر، وإن لاحظ بعض المتابعين أن المرأة العربية لا تزال تتخفى خلف أسماء مستعارة نظراً للتحفظات الاجتماعية الشديدة على مشاركتها، وعلى إبداء وجهة نظرها بصورة علنية. وسمح تطور وسائل الاتصال بتكثيف اتصال المرأة مع أصحاب الرأي من كُتَّاب الصحافة والإعلاميين وأساتذة الجامعات، والتعبير عن وجهات نظرها في شتى المجالات السياسية والاجتماعية، وخلال السنوات الخمس الأخيرة استطاعت العديد من النسوة نشر إنتاجهن العلمي والأدبي والسياسي والديني عبر مواقع الإنترنت، ودشنت بعض الكاتبات والناشطات مواقع خاصة بهن، متجاوزات حزمة العراقيل التي تقف أمام حركة النشر النسائية في الصحف المطبوعة.
غير أنه من الخطأ الجزم بأن الانفتاح الإعلامي وتطور وسائل الاتصال، يقف دائماً في صف تعزيز الديموقراطية وحقوق الإنسان ودعم قضايا المرأة، فالتفاتة سريعة إلى وسائل الاتصال والإعلام تكشف عن دور سلبي، موجه من قبل السلطات السياسية أو القوى الاقتصادية، يعيق في أحيان كثيرة التطور الديموقراطي، ويقف عثرة أمام (قضايا المرأة) ، ويتستر على ممارسات سادية ضد الإنسان وحقوقه، وإن كان هذا الدور متوقعاً على مستوى وسائل الإعلام في العالم العربي، فهو أيضاً ليس غائباً تماماً في الدول الغربية، فقد وصلت ملكية وسائل الإعلام في بعض أعرق الديموقراطيات، إلى ما يعتبره البعض مستوى خطيراً من التمركز والاحتكار.
ففي المملكة المتحدة"تصل نسبة الانتشار الإعلامي لمؤسسات روبرت مردوخ إلى 37% من معدل تداول الصحف الوطنية اليومية، كما نجد أن الصحف الوطنية التي يمتلكها روبرت هيرسانت -وقد دخل السجن لتعاونه مع النازي أثناء الحرب - تمثل ما يزيد على ثلث الصحف الوطنية المتداولة في فرنسا، وفي إيطاليا فإن رئيس الوزراء الملياردير سيليفيو بيرلسكوني، يمتلك القنوات التلفزيونية التجارية الثلاث التي تحتل موقع القمة، إضافة إلى شبكة تلفزيونية أخرى مدفوعة الاشتراك، وعدد من الصحف والمجلات، وقامت هذه الأدوات بدعم حزبه السياسي اليميني الذي وصل إلى السلطة" (11) .
ووفقاً لاستقصاء للرأي العام في نهاية 1999م، فإن 59% من الفرنسيين غير مقتنعين باستقلال الصحافيين عن السلطة وعن الأحزاب السياسية، و 79% من الإنجليز يعتبرون أن كتابات الصحافيين لا تستحق الثقة التي يمحضهم إياها القراء، و56% من الأمريكيين كانوا يجدون في العام 1997م أن الوقائع التي ترويها وسائل الإعلام غير صحيحة، ولذلك انخفضت نسبة الأمريكيين الذين كانوا يشاهدون نشرة الأخبار المسائية بانتظام، من 60% عام 1993م إلى 38% عام 1998م (12) .
وهو ما يؤكد تضاعف الحاجة إلى دفع المرأة العربية والمسلمة، في اتجاه ترجمة تطلعاتها السياسية إلى تغييرات حقيقية تصب في خانة المشاركة الإيجابية في الحراك السياسي المحلي، وعدم الاتكاء على الضغوط القادمة من الخارج، أو الاعتماد على التحولات العولمية فحسب، لكون هذه التحولات لا تزال في طور التشكل والنضال في سبيل تحقيقها، وقد أشار تقرير المكتب الإقليمي للدول العربية لصندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة، إلى"أنه على الرغم من أن هناك تقدماً عالمياً بصدد المشاركة الفاعلة للمرأة في العمل السياسي، إلا أن مشاركة المرأة العربية تتسم بدرجة أكبر من البطء وعدم التنظيم" (13) ، على المرأة أن تدلي برأيها، وتؤدي دورها بفعالية عالية، عبر اقتراح الاستراتيجيات الملائمة لإخراج الأكثرية الصامتة التي تلازم الصمت من صمتها، وإدخالها إلى دائرة الضوء.