فهرس الكتاب

الصفحة 3304 من 27364

وفي سبيل تحقيقِ هذا التوافق وتنميتهِ، لا بدَّ من معرفةِ دواعي الافتراقِ، ووضع اليد عليها، فصرف الدواء إنما يكون بعد تشخيص الداء. ومعرفتنا للأسباب هي في ذات الوقت علاج؛ لأننا متى ما شئنا أن نخلي الساقية من الماء فلنبادر إلى ما يمدّها فنوقفه.

والتجردُ لله من الحظوظ والشهوات، خاصةً ما خفي منها، كحب الترأس والظهور، من أعمقِ الأسس في هذا الشأن، فلم يمنع عمر وكبار الصحابةِ رضوان الله عليهم أن يراجعوا الحق لما استبان لهم على لسان أبي بكر- رضي الله عنه-، ولمَّا اختلف الصحابة في بدرٍ، وأمر الله بالإصلاح ثنَّى ذلك بصفات المؤمنين (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) ) (لأنفال:3) .

والولاءِ والبراء عقدٌ شرعي لا يشترطُ فيه مطلقُ التوافقُ، فالله سمَّى الطائفتين المقتتلتين باسم الإيمان، ثُمَّ أعقب تلك الآيةِ بالأمر بالإصلاح بين الإخوة المؤمنين، وأمر هُنا أيضاً بالتقوى.

إنَّ كثيراً من الخلافِ المسببِ للافتراق، خلافٌ حول مسائلَ يسعُ الخلاف فيها، ولا تعدُ أن تكون وجهاتِ نظرٍ قابلةٍ للأخذ والرد، وهذا الحماسُ المفرط للاجتهادات يُؤدي في أحيانٍ كثيرةٍ إلى شقاقٍ وفرقة.

ولا بدَّ في سبيلِ توحيدِ الصفِ من وجود قياداتٍ علميةٍ راشدة، تكونُ محطَّ ثقةٍ، فينفتلُ منها المختلفون بنفوسٍ مرضية.

أيُّها الأخوة: إنَّه إذا لم يمكن التوافق فلا أقل من السير في خطوطٍ متوازيةٍ، إن لم تتفق فلا أقل من أن لا تتقاطع، وقاعدة الشريعة العامة أنَّهُ لا واجب مع العجز، وأن التكليف بقدر الوسع.

إنَّ إثارةَ فقه الائتلاف على مستوى المؤسسات والأفراد، أمرٌ بات من ضرورياتِ العمل الإسلامي، ونحنُ اليوم بأمسِ الحاجة إلى تداولِ هذا الفقه وبكثافة.

وإنَّ الذي بيني وبين بين بني أخي *** وبين بني عمي لمختلف جداً

فإن أكلوا لحمي وفرتُ لحومهم *** وإن نهشوا عرضي وفرت له عرضاً

ولا أحملُ الحقدَ القديمِ عليهم *** وليس رئيس القومِ من يحمل الحقدا

وهنا أمرٌ مهمٌ إذ لا بدَّ من التفكير بجديةٍ في واقعِ الجيلِ الصاعد حيال فقه التوافق والاختلاف، حتى لا تتكرر الأخطاء، ولا نزال بحمد الله نرى نماذجاً لمشروعاتٍ جادة قامت على الاتحاد، فأفلحت في مسيرتها، وجنت ثمارَ زرعها.

ولا بدَّ في هذا الصدد من تأملِ هدي القرآن والسنة في الأمر بالعدل مع الصديق والعدو، ومن قراءةٍ متأنيةٍ في السيرةِ النبويةِ وتراجمِ السلف، وهدي العلماء في الائتلاف.

إن العدل سمةٌ مميزةٌ لشريعتنا، عاش في كنفها البرُّ والفاجرُ، والمسلمُ والكافرُ، كل هؤلاءِ بالعدل يُحكمون ولا يُظلمون، حتى وإن أبغضنا الكافر فنحنُ مأمورون بالعدل معه، ذلك توجيهُ ربنا في كتابه العزيز: (( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) ) (المائدة: من الآية8) .

قال ابن تيمية- رحمه الله-: وهذه الآية نزلت بسبب بغضهم للكفار، وهو بغضٌ مأمورٌ به، فإذا كان البغضُ الذي أمرَ اللهُ به قد نُهيَ صاحبهُ أن يظلم من أبغضه، فكيف في بغضِ مسلمٍ بتأويلٍ وشبهةٍ أو بهوى نفس ؟ فهو أحقُّ أن لا يُظلم، بل يُعدل عليه [1] .

لقد فاق المسلمون في تاريخنا المجيد غيرهم في العدل، وتجاوزوا بعدلهم أهل الملة من المسلمين إلى أهل الذمة من اليهود والنصارى.

ويُذكر أنَّ عمر بن عبد العزيز- رحمه الله- كتب إلى واليهِ على البصرة يقول له: ["ثم انظر من قِبَلك من أهل الذمة قد كَبُرت سِنُّه، وضعفت قوته وولّت عنه المكاسبُ، فأجرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحهُ وذلك أنَّهُ بلغني أنَّ أميرَ المؤمنين عمرَ- رضي الله عنه- مرّ بشيخٍ من أهلِ الذمةِ يسألُ على أبوابِ الناسِ فقال: ما أنصفناك إن كنَّا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيّعناك في كِبرك، ثم أجري من بيتِ المال ما يصلحه"[2] .

إنَّ من مظاهر العدل قبول الحقِّ ممن جاء به، فالعبرةُ بالقولِ لا بالقائل، وفي قصةِ الشيطان مع أبي هريرة- رضي الله عنه- حين وكَّلهُ الرسول- صلى الله عليه وسلم - بحفظِ زكاة رمضان، ومجيءِ الشيطان إليه أكثرَ من مرة، حتى علّمه أن يقرأ آية الكرسي إذا أوى إلى فراشه، وأنَّهُ بذلك يكونُ محفوظاً من اللهِ ولا يقربه شيطانٌ حتى يصبح، في هذه القصة صدَّق الرسول- صلى الله عليه وسلم - القول وإن صدرَ من الشيطان، حيثُ قال: (( أما إنَّه قد صدقك وهو كذوب ) ) ( [3] ) .

ومن فقه هذا الحديث وفوائده - كما قال ابن حجر رحمه الله -: إنَّ الحكمة قد يتلقّاها الفاجرُ فلا ينتفع بها، وتؤخذُ عنه فينتفعُ بها، وإنَّ الكافرَ قد يصدقُ ببعض ما يصدقُ به المؤمن، ولا يكون بذلك مؤمناً، وبأنَّ الكذّاب قد يصدُقُ [4] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت