فهرس الكتاب

الصفحة 3305 من 27364

وفي هذا الصدد يُذكرُ من وصايا ابن مسعود- رضي الله عنه- قوله لرجلٍ قال له: أوصني بكلماتٍ جوامع، فكان ممَّا أوصاهُ به أن قال: ومن أتاك بحقٍّ فاقبلْ منه وإن كان بعيداً بغيضاً، ومن أتاك بالباطلِ فاردُدْه وإن كان قريباً حبيباً [5] .

إننا حين نفقدُ هذا الميزانَ في قبول الحقِّ قد نرفض حقاً، لأنَّه جاءَ من شخصٍ نبغضه أو لا نهواه، أو لا نرتضي منهجهُ بشكلٍ عام، علماً بأنَّ قبول الحق الذي جاء به لا يعني موافقته في كل شيء، ولا الرضى عنه فيما يخطئُ فيه، وقد يضطرنا هذا الخلل في العدلِ في قبول الحقّ ورفض الباطل، لقبول زلّة خطأٍ من شخصِ نحبه، ونرتضي منهجهِ علماً بأنَّ رفضنا لهذه الزلَّة والخطأ منه، لا يعني بغضهُ ولا الانتقاص من قدره، ولا رفض بقية الحقِّ الذي جاء به.

إنَّه العدل الذي ينبغي أن نأخذ أنفسنا به، ونتمنى بهِ أن يُجري الله الحقَّ على ألسنتنا وألسنة خصومنا، وكم هو عظيمٌ الإمامُ الشافعيُّ- رحمه الله- حين قال: (ما ناظرت أحداً إلاَّ قلتُ: اللهمّ أجرِ الحقّ على قلبه ولسانه، فإن كان الحقُّ معي اتبعني، وإن كان الحقُّ معه اتبعته) [6] .

وأين هذا يا مسلمون ممن يتمنون انحراف خصومهم، أو يرمون مخالفيهم بالباطل، ويتهمونهم وينفّرون الناس منهم وهم مسلمون، بل قد يكونون علماء، وقد يكون ما معهم من الحق أكثر من خصومهم، فإلى الله المشتكى، وكم يتلاعبُ الشيطان أحياناً ببعض المحبين، وكم يخطئُ هؤلاء وينسفون قواعد العدل وهم يحسبون أنَّهم يحسنون صنعاً، وكم نظلم أنفسنا ونظلم غيرنا بتصنيف هذا، وتجريح ذاك، واتهام ثالث وإشعال معارك وهمية بين نفرٍ من المسلمين، الكاسبُ الأول والأخير منها هم الأعداء المتربِّصون والخاسر الأكبر هم المعتدون الفاقدون للعدل والإنصاف.

وإن كانت الخسارة تعمُّ والفتنة تقع على المسلمين! وأين نحنُ من هذا الموقف البديع والعدلِ حتى مع غير المسلمين يقدمه لنا شيخُ الإسلام ابن تيمية بسلوكه العمليِّ، فهو حين سعى بإطلاق سراح أسرى المسلمين من التتار أصرَّ كذلك على إطلاق سراح المأسورين من أهل الذمة قائلاً لمسؤول التتر:"بل جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمَتنا، فإنا نفكُّهم ولا ندعُ أسيراً لا من أهل الملَّة ولا من أهل الذمة" [7] .

فإذا أنصفَ هذا العالمُ الربّاني وعدلَ مع غير المسلمين، وكان سبباً لفكّ أسرهم، فماذا يقولُ من يسعى للوقيعة بإخوانه المسلمين ويتمنّى الضُّرَّ لهم بشكلٍ أو بآخر؟

إن من قواعد الائتلاف إنصاف عامة المسلمين وخاصتهم.. فكيف السبيلُ لهذا الإنصاف؟

إن مما لا شك فيه أن المسلمين - قديماً وحديثاً - يتفاوتون في مراتب الإيمان، فهناك من هم في الذروة من الإيمان، وهُناك من هُم في أدنى درجات الإيمان، وهناك طائفةٌ في الوسط بين هؤلاءِ وأولئك، ولكن الجميع تجمعهم رابطةُ الإسلام، وحسابهم على الله، وما لم يخرج المسلم من الملة، فإنَّ لهُ حقاً في الموالاةِ على قدر إيمانه.

وما من شكٍ كذلك أنَّ الفرقة الناجية من خيرةِ المسلمين، وهم أهلُ السنة والجماعة الذين قالوا وعملوا بالكتاب والسُّنة.

ولكن دائرةَ المؤمنين تتسعُ لتشملَ غيرَ الفرقة الناجية من عُصاة المسلمين، ومن وجد عندهم نوع انحراف لكنهم في دائرة الإسلام، وهذا ما نصَّ عليه الشيخُ ابن تيمية- رحمه الله- حين قال:"وإذا قال المؤمن: (( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ ) ) (الحشر: من الآية10) ."

يقصد كل من سبقهُ من قرونِ الأمة بالإيمان، وإن كان قد أخطأ في تأويلِ تأوّله فخالف السنة، أو أذنب ذنباً، فإنَّهُ من إخوانه الذين سبقوهُ بالإيمان، فيدخلُ في العموم، وإن كان من الثنتين والسبعين فرقةً، فإنَّهُ ما من فرقةٍ إلاَّ وفيها خلقٌ كثيرٌ ليسوا كفاراً، بل مؤمنون فيهم ضلالٌ وذنبٌ، يستحقون به الوعيد كما يستحقه عصاةُ المؤمنين" [8] ."

[1] منهاج السنة: 5/127.

[2] أحكام أهل الذمة لابن القيم، تحقيق صبحي الصالح 1/38.

[3] رواه البخاري برقم 2311.

[4] الفتح 4/616 ح 2311.

[5] الأحكام في أصول الأحكام لابن حزم: 4/586، عن كتاب"فقه الائتلاف"محمود الخزندار ص98.

[6] عن فقه الائتلاف ص104.

[7] حياة شيخ الإسلام، محمد بهجت البيطار ص15، عن الرسالة القبرصية، فقه الائتلاف: 47.

[8] منهاج السنة: 5/240، 241 عن فقه الائتلاف: 186.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت