ثم جاء بعده قرينه وصاحبه معروف الرصافي الذي كان في بداية أمره متدينًا من طلاب العلامة محمود شكري الألوسي - رحمه الله - ! ، ثم نكص على عقبيه وانتكس إلى الضلال والإلحاد - والعياذ بالله - . ويشهد لهذا قصائده الفلسفية في ديوانه ؛ ومنها قصيدته السيئة"حقيقتي السلبية"التي يقول فيها:
ولستُ من الذين يرون خيرًا *** بإبقاء الحقيقة في الخفاء
ولاممن يرى الأديان قامت *** بوحيٍ مُنزل للأنبياء
ولكن هنّ وضعٌ وابتداعٌ *** من العقلاء أرباب الدهاء !
.الخ ضلاله ، كما في ديوانه ( 1/112-114) .
ومما يشهد لذلك: كتابه الذي طُبع حديثًا بعنوان"الحقيقة المحمدية"، وكان قد منع أن يُطبع في حياته ؛ لما فيه من كفريات وتنقص بسيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم وقد حاول البعض أن يُشكك في نسبة هذا الكتاب له ، ولكن هيهات ! فقد اعترف بذلك هو بنفسه . ( ولهذه القضية مقال قادم إن شاء الله ) .
من أشعار الرصافي في الدعوة إلى سفور المرأة ؛ قصيدته"المرأة في الشرق"التي قالها زمن الاحتلال الإنجليزي ! ؛ ومنها قوله:
وقد ألزموهن الحجاب وأنكروا *** عليهن إلا خرجة بغطاء
وكذلك قصيدته الشهيرة"التربية والأمهات"التي مطلعها:
هي الأخلاق تنبت كالنبات *** إذا سُقيت بماء المكرمات
ولكنه شانها بقوله:
وما ضر العفيفة كشفُ وجه *** بدا بين الأعفاء الأباة
وقد عارض الأستاذ حسين الآزري قصيدته الأولى بقوله:
أكريمة الزوراء لا يذهب بك الـ *** نهج المخالف بيئة الزوراء
أو يخدعنك شاعرٌ بخياله *** إن الخيال مطية الشعراء
حصروا علاجك بالسفور وما دروا *** أن الذي حصروه عينُ الداء
أسفينة الوطن العزيز تبصري *** بالقعر لا يغررك سطح الماء
وحديقة الثمر الجني ترصدي *** عبث اللصوص بليلة ليلاء
لكن دعوة الزهاوي والرصافي باءت بالفشل ، وقابلها المسلمون بالإنكار ؛ إلى أن قام الإنجليز بدعم القضية .
وقد ذكر الأستاذ أنور الجندي في كتابه"الفكر العربي المعاصر في معركة التغريب والتبعية الثقافية" ( ص 623) أن حركة السفور في العراق - بعد هذا - تأخرت (حتى عام 1921 عندما حمل الإنجليز لواءها على يد الإنجليزية"المس كلي"حيث أسست أول مدرسة للبنات 19/1/1920 احتفل بها العميد البريطاني) !
وقد عقد الأستاذ خيري العمري في كتابه"حكايات سياسية من تاريخ العراق الحديث"فصلا بعنوان"معركة السفور في العراق"تطرق فيه إلى تطور القضية بعد ذلك في الصحف ، ومادار حولها ، ثم ختم بقوله ( ص 140-141) :
(وقد يرد إلى الذهن سؤال وهو: من هي أول امرأة عراقية رفعت النقاب عن وجهها وخرجت سافرة ؟! والحقيقة أن الجواب عن ذلك ليس من البساطة بحيث يكفي أن نقول إن فلانة هي من أسفرت في عام كذا دون أن ندعم هذه الدعوى بما يقيم البينة عليها. لذلك فإني ألتمس من القارئ عذرًا إذا قلت إنني لا أريد أن أتورط كما تورط غيري في حكم قاطع بهذه المسألة.
نعم ربما يمكن أن نقول إن بغداد لم تخلُ قبل عام 1932 من عراقيات رفعن النقاب عن وجوههن ؛ ولعل عقيلة (حكمت سليمان) من بينهن، ولكننا لا نملك أن نقول إنها أول من أسفرت من نساء العراق ؛ لاسيما وأن أكثر نساء الريف سافرات.
الأمر الثاني الذي أريد أن أذكره هو وجود قوتين كانتا تلعبان في تلك الأيام دورًا مهما في توجيه الأمور وهما: (البلاط) و (دار الاعتماد البريطاني) .
وبالنسبة إلى البلاط لم يكن موقف الملك فيصل من قضية سفور المرأة واضحًا، فهو تارة يبدي ما يفهم أو يحمل على محمل التأييد والإسناد ، وطورًا آخر يتراجع عندما يجد الرأي العام ناقمًا ساخطًا . والواقع أن الدعوة إلى سفور المرأة ذلك الوقت لم تجد تقبلًا في الأوساط الشعبية.
ولعل سر هذا التقدم والتراجع يرجع إلى عوامل شتى منها تأثره ببعض المقربين إليه ومدى إيمانهم بحرية المرأة، فالملك (علي) كان يدفع بالملك فيصل إلى الوقوف بوجه دعاة سفور المرأة ، و (رستم حيدر) و (ساطع الحصري) كانا يشجعانه ).
أما الدكتور عدنان الرشيد فيقول في مقاله"65 عامًا على سفور أول طالبة في بغداد"المنشور في مجلة الهلال، ربيع ثاني 1424هـ:
(تمر هذه الأيام ذكرى مرور 65 عامًا على سفور أول طالبة في كلية الحقوق في بغداد، وكان ذلك في عام 1934م عندما خلعت الطالبة"صبيحة الشيخ داود"العباءة، ودخلت الكلية، فانبهر الطلاب من هذا المشهد الذي لم يألفوه) .
ويقول - أيضًا -: ( لعلنا في هذا المقام نذكر دور الفتيات المسيحيات واليهوديات في إحياء حركة السفور في بغداد ) .
يقول الأستاذ خيري العمري في كتابه السابق كلامًا له دلالاته عند العقلاء ( ص 138-139) :