• واحد من العناوين المخادعة التي تطرحها واشنطن عبر ورقتها التي يطيب لها تسميتها"مبادرة"هو ما يتعلق بـ"تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح"حيث تقول حول ذلك بأن الديمقراطية والحكم الصالح يشكلان الإطار الذي تتحقق بداخله التنمية وان الديمقراطية والحرية ضروريتان لازدهار المبادرة الفردية لكنهما مفقودتان إلى حد بعيد في أرجاء الشرق الأوسط الكبير... واعتماداً على تقرير مركز بيت الحرية {F r EEDOM HOUSE} يصفون"إسرائيل"على أنها البلد الوحيد في الشرق الأوسط الكبير بأنها"البلد الحر"وان البلدان العربية تقع في أدنى درجات الحرية ولا تتقدم في هذا السياق إلا على إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى؛ وقد يكون هناك بعض من الصحة في هذه الفقرة الأخيرة بالنسبة للبلدان العربية، وأما بالنسبة للكيان الصهيوني فإذا كان ذلك الكيان يعطي قدراً من مظاهر الحرية لسكانه اليهود وبرغم التمييز بين اليهود الأوروبيين والشرقيين فإن من المقطوع به جزماً انه يحرم عرب فلسطين من ابسط الحريات ويجردهم منذ عام 1948 من حقوقهم المادية والإنسانية ثم انه يحتل الضفة الغربية وغزه ومناطق عربية أخرى مجاورة ويمارس فيها منذ عام 1967 أقسى أنواع العنف والبطش والقهر بما يدخل في مفاهيم جرائم الحرب والإبادة وقد صدرت العديد من القرارات الدولية بإدانة تلك الممارسات فيما كانت الولايات المتحدة الأمريكية ولا زالت ترعى وتدعم الكيان الصهيوني مادياً ومعنوياً وتحول باستعمال حق الفيتو دون صدور قرارات تستنكر ممارسات الكيان، والمشروع الأمريكي الأخير باستناداته لا يتورع أن يقرر بأن [إسرائيل البلد الوحيد في الشرق الأوسط الذي يصنف بأنه حر -] وربما المقصود بكلمة"حر"في نظر أمريكا انه يمارس بحرية جرائمه بحق شعبنا..!؟ وهو ما يمثله الواقع فعلاً.
وفي مجال الديمقراطية والحرية يتحدث المشرع عن المبادرة لانتخابات حره والدعوة لتقديم مساعدات تقنية لمرحلة ما بعد الانتخابات عبر تبادل الزيارات والندوات والدعوة للتربية المدنية وتعزيز دور البرلمان في دمرقطة البلدان والإصلاحات التشريعية... كلام فضفاض حلو الشكل، أما على ارض الواقع فالأمر مختلف حيث ينطبق القول هنا [أشوف كلامك يعجبني وأشوف أفعالك استعجب] إذ المعلوم للكافة أن الحكومات الحليفة لأمريكا هي حكومات فردية دأبت على ممارسة السياسات العرفية التي تعتمد أساليب القمع والبطش بحق شعوبها بعيداً عن أي رقابة شعبية وتزودها أمريكا بالأدوات والمعدات والخبرات لتلك الغاية وأنها إذا أقامت مؤسسات تشريعية لتحسين صورتها أمام الإعلام الخارجي فإنها تهيء لها كل وسائل تزوير الإدارة الشعبية وتفرغها من كامل محتواها في حرية الرقابة والتعبير.
شعوبنا في هذه المنطقة دأبت منذ أوائل القرن الماضي حيث بداية ما يسمى عصر النهضة الحديثة على طرح قضايا الحرية والديمقراطية والتنمية كطموحات أساسية لمجتمعاتها، لكنها ويعلم ذلك تماماً العالم الغربي على جانبي شواطيء الأطلسي اصطدمت بالحكام والأنظمة الحاكمة التي أنشأها ورعاها الاستعمار ومدها بوسائل البطش والقمع حتى اليوم لتأمين مصالحه ومشاريعه العدوانية على حساب الشعوب وحرياتها وقدمت هذه الشعوب التضحيات من دماء مناضليها من أجل الحرية والديمقراطية والتقدم حتى إذا برزت حالة متقدمة هنا أو هناك تصدت لها الدوائر الغربية بمختلف أشكال التآمر أو الانحراف بها وعند الضرورة إجهاضها أو مقاومتها بالحرب المباشرة ذلك ما تم بثورة مصر ثم ثورات المشرق العربي وما نحن بصدده الآن؛ وهكذا تهدف الورقة الأمريكية الأخيرة لتدمير مصداقية مناضلي وشرفاء الأمة من دعاة الحرية والديمقراطية والتنمية والتقدم حيث تعود إلى طرح شعاراتهم ولكن عبر رؤيتها ومن اجل ضمان مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة [والمقصود هنا الحليف الصيهوني أولاً]
• شعوبنا في هذه المنطقة لا ينقصها معرفة بالديمقراطية ولا بالانتخابات وشروطها وتقنية التسجيل لها وأدواتها ولا تحتاج كذلك إلى تبادل الندوات والزيارات التي تتحدث عنها الورقة للمعرفة والإطلاع بمقتضياتها، فإن في حضارتنا وقيمنا وما تطورنا إليه حالياً من الثقافة والفكر ما يؤهلنا للنهوض في مجتمعنا وإشادة البناء الديمقراطي بأنفسنا وفق مصالح هذه المجتمعات وطموحاتها، لكن ما يعوقنا عن ذلك هو أطماع القوى الكبرى في هذا العالم ومخططاتها العدوانية المستمرة منذ الحرب الصليبية وما بعدها حتى الحروب الأمريكية الصهيونية الحالبة ومشروعها الأخير هذا حول"الشرق الأوسط الكبير"الذي هو حلقة جديدة من حلقات التآمر والتضليل.