ويشير إلى أن النفط مثلاً سلعة استراتيجية لتحفيز صادرات الدول الرأسمالية إلا أنه من السلع التي تتداول خارج نطاق السوق الحرة لمنظمة التجارة العالمية لسبب بسيط هو أنها قد تكون السلعة الوحيدة التي تتمتع بها كثير من دول العالم الثالث بميزة تنافسية حقيقية.
هل بعد ذلك يمكن أن تصدق بأن هناك علاقة بين حرية التجارة والديمقراطية... لندع مجتمعات الديمقراطية تصدقها أولاً.
العولمة قديمًا وحديثًا:
وبالعودة إلى التاريخ نجد أن العولمة هي وجه آخر للرأسمالية وعودة جديدة بطرق ملتوية لأساليب الهيمنة والسيطرة من قبل الدول الاستعمارية آنذاك على مقدرات وثروات الشعوب ونسيت هذه الدول التي تحمل لواء العولمة حاليًا أن الرأسمالية في يوم ما عصرت اللحم البشري في آلات المصانع بعد أن طافت سفنهم الآفاق بحثًا عن الذهب والقطن وخيرات الشعوب وخطف السود لتحولهم إلى رقيق على الجانب الآخر من الأطلس.
وفرضت نظامًا اقتصاديًا بحجة العولمة يزيد من ثراء الأثرياء ويزيد من فقر الفقراء في مصادرة لحريات الشعوب المغلوبة على أمرها وبتصرف لا يقل عن تصرف شيلوك اليهودي بطل مسرحية شكسبير (تاجر البندقية) الذي أبى إلا أن يأخذ لحمًا بشريًا حيًا مقابل دين العميل الذي لم يستطع السداد.. والعولمة ذات اتجاه ليبرالي مفرق في التطرف لا يريد من اقتصاديات العالم النامي أن يتحرر من الفقر والجوع دون تحقيق لأي توازن اقتصادي لأنه ينتهي بالتوقيع على اتفاقية منظمة التجارة العالمية (الجات) التي أجبرت الشعوب على توقيعها، لأنها ستتولى فرض العقوبات علي من يرفض حرية التجارة التي تركز الثروة في مناطق محدودة في العالم بعد اتساع الفروق الاقتصادية بين الدول.
والآن تستخدم الدول الرأسمالية صندوق النقد الدولي أداة ضغط أخري على تلك الدول النامية سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وأيدلوجيًا والعالم المتقدم بتجاهل ما تمر به عندما عجزت عن حل مشاكلها مع هذا الصندوق لأن أسعار الفائدة حولتها إلى رهينة في قبضة الآخر في ضوء سياسات ليبرالية تعتمد على العولمة التي تحمي في النهاية مصالح الأثرياء وتضر بالعمال والطبقات الوسطى في أسلوب فوضوي غير مسؤول في البورصات والأسواق النقدية العالمية التي بدأت تنذر بعض الدول النامية بانهيارات اقتصادية هائلة كما حل في أندونيسيا والبرازيل وغيرهما مما شجع بعض المنظمات الإنسانية أن تهب للنضال من خلال مظاهرات جماعية في مختلف أنحاء العالم لوقف جنون العولمة ودكتاتورية صندوق النقد الدولي الذي يمارس الضغط على الدول الفقيرة تحقيقًا لجانب الإنسانية المشرق وحماية للبيئة ومراعاة للعدالة الاجتماعية الحقة.
كتاب فخ العولمة:
ولفهم قضية العولمة لابد من الرجوع إلى أحد أهم الكتب التي تناولت الموضوع بشكل محايد وموضوعي وهو كتاب (فخ العولمة والاعتداء على الديمقراطية والرفاهية) لمؤلفيه هانس بيتر مارتن وهارلدشومان والذي بات أحد أهم المراجع في هذا المجال.
لقد طرح المؤلفان مجموعة من الطروحات المهمة التي تستحق التأمل والتفكير لفهم قضية العولمة من منظور يختلف عن المنظور الزائف الذي غالبًا ما تطرحه علينا وسائل الإعلام المختلفة منها:
إن العولمة من خلال السياسات الليبرالية الحديثة التي تعتمد عليها تنذر بقيام حركة مضادة للديمقراطية ومبادئ العدالة الاجتماعية تقتلع كل ما حققته الطبقة العاملة والطبقة الوسطى من مكتسبات وتبدو قتامة المستقبل الذي سيكون صورة من الماضي المتوحش للرأسمالية في فجر شبابها إذا سارت الأمور على منوالها الراهن إذ من المتوقع أن يكون هناك فقط 20% من السكان الذين يمكنهم العمل والحصول على الدخل والعيش في رغد وسلام أما الباقون وهم 80% فهم السكان الفائضون عن الحاجة الذين لن يستطيعوا العيش إلا من خلال الإحسان والتبرعات وأعمال الخير.
إن المصالح المشتركة لأصحاب رؤوس الأموال جمعت بينهم وجعلتهم يهددون بتهريب رؤوس أموالهم ما لم تستجب الحكومات لمطالبهم مثل منحهم تنازلات ضريبية سخية، وتقديم مشروعات البنية التحتية لهم مجانًا.
وإلغاء أو تعديل التشريعات التي كانت تحقق بعض المكاسب للعمال والطبقة الوسطى مثل قوانين: الحد الأدنى للأجور، ومشروعات الضمان الاجتماعي والصحي، وإعانات البطالة وتحويل كثير من الخدمات العامة التي كانت تقوم بها الحكومات لكي يقوم بها القطاع الخاص (الخصخصة) ويشير الكتاب إلى أنه مع نمو العولمة سيزداد تركز الثروة وتتسع الفروق بين البشر والدول اتساعًا لا مثيل له، يقول المؤلفان إن (358) غنيًا في العالم يمتلكون ثروة تضاهي ما يمتلكه (5. 2) مليار من سكان المعمورة وأن هناك 20% من دول العالم تستحوذ على 85% من الناتج الإجمالي العالمي وعلى 84% من التجارة العالمية ويمتلك سكانها 85% من مجموع المدخرات العالمية وهذا التفاوت القائم بين الدول يوازيه تفاوت آخر داخل كل دولة إذ تستأثر قلة من السكان بالشطر الأعظم من الدخل الوطني والثروة القومية وتعيش أغلبية السكان علي الهامش.