لا سبيل للعالم الإسلامي لمواجهة العولمة إلا سعيه الجاد لتحقيق التكامل الاقتصادي بين دوله، فالعالم يعيش عصر التكتلات الكبيرة، ولا مستقبل لأي دولة بمفردها تحاول مواجهة زحف العولمة، ونعني بالتكامل وضع آليات تستهدف إلغاء التمييز بين الوحدات الاقتصادية التابعة لدول مختلفة وتبدأ خطوات التكامل بمنطقة التجارة الحرة، حيث تُلغى الضرائب الجمركية والقيود المفروضة على التجارة الخارجية بين الدول التي تشترك بمنطقة التكامل، وهناك العديد من المناطق الحرة بين البلدان العربية والإسلامية ثم تأتي مرحلة الاتحاد الجمركي وفيها يتم توحيد الإجراءات الجمركية على التبادل التجاري لكل الدول الأعضاء - في الاتحاد - مع غير الأعضاء ثم تأتي مرحلة السوق المشتركة وفيها يتم إلغاء القيود على حركة عوامل الإنتاج ثم يأتي الاتحاد الاقتصادي وفيه توجد درجة معينة من التنسيق بين السياسات الاقتصادية للدول الأعضاء، وأخيراً يأتي الاندماج الاقتصادي الكامل - أي الوحدة - وفيه توجد سلطة عليا يكون لها الحق في اتخاذ قرارات إلزامية لكل الدول الأعضاء، وعلى الدول الإسلامية أن تبدأ بتنمية المؤسسات الموجودة لديها فعلاً والتي تشجع على تحقيق التكامل الإسلامي مثل البنك الإسلامي للتنمية بحيث يزيد رأس المال المصرح به إلى 10 مليار دينار إسلامي بدلاً من مليارين حالياً وهناك منظمات موجودة ضمن منظمة المؤتمر الإسلامي مثل"مركز الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية والإحصائية والتدريب للدول الإسلامية"في أنقرة، والمركز الإسلامي لتنمية التجارة بالدار البيضاء، والغرفة الإسلامية للتجارة والصناعة وتبادل السلع بكراتشي.
وعلى العالم الإسلامي أن تنشط تجارب التعاون والتكامل الاقتصادي لديه مثل"منظمة التعاون الاقتصادي""إيكو"وهي تضم تركيا وباكستان، وتأسست عام 1964 وانضمت إليها أفغانستان وقازاقستان أوزبكستان وقرغيزستان وآذربيجان وتركستان عام 1992 وتطرح المنظمة مشروع إنشاء سوق مشتركة بين دولها، ولدى العالم الإسلامي"مجموعة الثماني"وتضم في عضويتها مصر ونيجيريا وتركيا وباكستان وأندونيسيا وماليزيا وبنغلاديش، وتشكلت بمقتضى إعلان إسلام بول"إسطنبول"في 15 من يونيه عام 1997، وتطرح المجموعة من المشاريع المشتركة بين دولها والتي تشجع على الاعتماد والتبادل بين دولها كخطوة على طريق تحقيق التكامل الاقتصادي.
إن العالم يشهد اندماجاً بين شركاته الكبرى متعددة الجنسيات كشركات النفط الكبرى البريطانية والأمريكية وشركات الطيران الكبرى وشركات السيارات الكبرى وشركات الدواء الكبرى وتشهد المصارف الكبرى اندماجاً بينها، وهذا الاندماج يأتي في إطار سعي هذه الشركات إلى السيطرة على الأسواق وتحقيق التكامل بدلاً من التنافس، ولا يمكن للعالم الإسلامي أن يبقى مجزَّأً بنظم اقتصادية متعددة، ونظم جمركية متعددة؛ لأن قطار العولمة سيدهسه، وهذا ليس خياراً أو ترفاً إنما هو ضرورة شرعية وضرورة حياتية وضرورة وجود.
إن العالم مقبل الآن على مرحلة جديدة مختلفة - كيفياً ونوعياً - عما حدث في منتصف هذا القرن، وعلى الدول الإسلامية أن تبدأ بتأسيس بِنية تحتية حقيقية حتى يمكن لمشاريع التكامل بين الدول الإسلامية أن تستند إليها، مع الفصل الكامل بين الإرادة السياسية المتقلبة وبين مشاريع التعاون والتكامل الاقتصادي...