بخلاف الحاكم الجائر الذي يتخذ سلطته وسيلة للاعتداء على حقوق الرعايا، ويعين ذوي الحيف من بطانته، على سلب الناس حقوقهم، فإن الشعب الذي يبتلى بمثل هذا الحاكم، يعيش في ذل وهوان دائم، ينام مرعوبا بالكوابيس، ويصحو مشفقا على نفسه من هجمة الظلمة الأباليس.
يحجم الناس في ولايته عن الاقتناء والكسب، خشية على حقوقهم من السلب والنهب، فتضعف في البلاد الصناعة، ويزهد الناس في مزاولة التجارة ومهنة الزراعة.
وهنا تنطوي قلوب الناس على الغل و الأحقاد، ويعم البلاد الإجرام والمصائب الشداد، ويصبح الأمن مفقودا بين العباد، وجِران الخوف على طولها وعرضها في امتداد.
تقطع فيها السبل و الطرقات، وتسلب فيها الأموال وتنتهك الأعراض الشريفات، وتسفك الدماء وتزهق النفوس المحرمات، ويتمنى الأحياء أن يكونوا في القبور مع الأموات.
ولهذا تواترت نصوص القرآن والسنة، في النهي عن الظلم والتحذير منه، وبيان عواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: (( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ) ) [هود:102]
وفي حديث أبي موسى رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) قال ثم قرأ: (( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ) ) [الحديث في صحيح البخاري برقم: 4409]
وفي حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا) [الحديث في صحيح مسلم برقم: 2577]
وفي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: ( الظلم ظلمات يوم القيامة) [صحيح البخاري برقم: 2315وهو في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله برقم: 2578]
الأمر الرابع: اتخاذ كل الوسائل المؤدية إلى جمع كلمة شعوبكم على الحق، ودفع الذرائع الجالبة للنزاع والمحق، لما في اجتماع الكلمة من قوة واطمئنان، وما في النزاع من ضعف وفوضى وهوان.
ومعلوم أن اجتماع كلمة الأمة من أهم مقاصد شرع الله، بل هو نعمة من نعمه وآلاه [ أصله: آلائه قُصر مراعاة للفواصل] أمر به في كتابه وعلى لسان رسوله ومصطفاه، كما قال تعالى: (( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تهتدون ) ) [آل عمران:103]
كما أن تنازع الأمة من أهم مقاصد الشيطان الرجيم، الذي ألزم نفسه إضلال الناس عن صراط الله المستقيم، كما قال الله تعالى عنه: (( قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) ) [الأعراف:16]
وقال تعالى: (( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) ) [الأنعام:153]
ويقتدي بالشيطان أولياؤه من الطغاة الذين يتخذون من الوسائل والأسباب ما يؤدي بشعوبهم إلى شيع وأحزاب، ليستضعف من أراد من طوائفهم، ولا يخشى مواجهته باجتماعهم، وفي فرعون للطغاة أسوة: (( إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ) ) [القصص:4]
الأمر الخامس: إقامة قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم قواعد هذا الدين، التي تبنى حياة الأمة على إقامتها، وهو من أخص صفات عباد الله المؤمنين التي وعد الله من اتصف بها أن ينال رحمته، كما قال تعالى:
(( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ) ) [التوبة:71]
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من لوازم الولاء بين المؤمنين عموما، وبينهم وبين ولي أمرهم خصوصا، كالصلاة والزكاة، وغير ذلك من طاعة الله تعالى، كما هو واضح من الآية السابقة.
وإذا كان الله تعالى قد جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب رحمته، فإنه تعالى جعل ترك ذلك من أسباب طرده ونقمته، كما قال تعالى:
(( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون(78) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون )) [المائدة: 79]
والأمة التي تترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مهددة كلها بعقاب الله تعالى لها في الدنيا والآخرة، وأعظم ما يعاقبها الله به في الدنيا اختلاف قلوبها، وإغراء العداوة والبغضاء بينها، وعدم استجابته دعاءها لكشف السوء عنها.
وإن ما أصاب الله به الأمة الإسلامية من الفتن والمصائب العظام في كل أنحاء الأرض اليوم، لهو نذير من نذره تعالى على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... وقد قال تعالى منذرا عباده المؤمنين، من تركهم الظالم يعيث فسادا في الأرض، بأن فتنة الظلم لا تخص الظالم فقد، وإنما تعم المسلمين جميعا، كما قال تعالى: (( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) ) [الأنفال:25]