فهرس الكتاب

الصفحة 3521 من 27364

وإن الحاكم الذي يترك الناس هملا، كالبهائم يرتكبون المنكر، ويتركون المعروف، لهو حاكم سوء، يجلب على الأمة الفساد والخسران المبين:

(( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) )

فكيف إذا كان الحاكم نفسه، هو الذي يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف، كحال كثير من حكام المسلمين اليوم، الذين ينشرون المنكر تشريعا وقضاء وتنفيذا، وإعلاما وتعليما، وأخلاقا، مستخدمين في ذلك مرافق الشعوب وأموالها، وطاقات أبنائها، محاربين لتطبيق شرع الله، يتكبرون على الناصحين، الذين إذا أمروهم بتقوى الله أخذتهم العزة بالإثم، متشبهين بسلف أفسدوا في الأرض:

(( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام(204) وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (205) وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (206) [البقرة]

(( والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما ) ) [النساء:27]

فاتقوا الله يا حكام المسلمين في قيادة أمتكم بشرع الله، لترضوا الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولتحققوا الصلاح في الأرض، وتطردوا الفساد منها، ولتجتمع كلمتكم جميعا على إحقاق الحق وإبطال الباطل...

الأمر السادس: الحرص على جعل أساس الولاء بينكم وبين شعوبكم هو الإسلام:

إن الولاء القوي المتين القابل للدوام، بين الحاكم ورعيته، إنما هو ولاء الإسلام، فهو العروة الوثقى التي لا تقبل الانفصام، والحصن القوي الذي يمتنع على الاقتحام، والبناء الراسي الذي يستعصي على المعتدين من ذوي الإجرام.

إن المؤمنين الذين يطيعون الله ورسوله، ويعبدونه حق عبادته، هم أهل الولاء الدائم، وقد قرن تعالى ولاءهم بولائه وولاء رسوله، إشارة إلى قوة هذا الولاء ومتانته، وأن لأهل هذا الرابط الغلبة على أعدائهم، كما قال تعالى:

(( إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون(55) ومن يتول الله ورسوله والذين ءامنوا فإن حزب الله هم الغالبون )) [المائدة:56]

ومن صفاتهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهما عبارة عن قيامهم بحق الله وحق عباده، ومن صفاتهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو عبارة عن حرصهم على حفظ نظام الأمة وصيانته من التفكك والانحلال، وهؤلاء هم الذين يستحقون رحمة الله في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى:

(( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ) ) [التوبة:71]

هذا الولاء هو الذي يدوم ولو تباعدت بين أهله الأنساب، وانقطع بينهم ما اتصل بين غيرهم من الأسباب، وفي تاريخ المسلمين المعتصمين بحبل الله ما يقطع حجة كل مرتاب، وقد بين الله ذلك في محكم الكتاب، فقال وهو أصدق القائلين:

(( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تهتدون ) ) [آل عمران:103]

وكل ولاء غير الإسلام قابل للنقض بعد الإبرام، وللزوال بعد التمام.

وإن في قصة سحرة فرعون الذين دانوا له بالولاء، بما يمنحهم من الأجر والتقريب إليه، وتغير ولائهم له- مع قوة ملكه، وعظيم ترغيبه، وشدة ترهيبه-إلى ولائهم لعدوه موسى عليه السلام، الذي لا يملك شيئا غير إيمانه بربه وتوكله عليه، إن في تغيير ولائهم لفرعون وزهدهم في ماله وقربه، وعدم المبالاة بتهديده، إلى الولاء لله ولرسوله موسى عليه السلام، لعبرة للملوك والرؤساء الذين يجعلون أساس الولاء بينهم وبين أعوانهم غير الإسلام.

ويكفي أن نقرأ هذه الآيات الكريمة بدون شرح ولا تعليق، فهي واضحة بينة وضوح الشمس في كبد السماء، قال تعال:

(( وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين(113) قال نعم وإنكم لمن المقربين (114) قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين (115) قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم (116) وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون (117) فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون (118) فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين (119) وألقي السحرة ساجدين (120) قالوا ءامنا برب العالمين (121) رب موسى وهارون (122) قال فرعون ءامنتم به قبل أن ءاذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون (123) لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين (124) قالوا إنا إلى ربنا منقلبون (125) وما تنقم منا إلا أن ءامنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين (126) [الأعراف]

والذي يقرأ التاريخ يجد فيه البراهين الساطعة والحجج القاطعة، على أن الولاء على غير الإسلام، من مال أو منصب أو جاه، لا يعصم الحكام من خيانة من يوالونهم على ذلك وخروجهم عليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت