الذي لا شك فيه أن «العولمة» هي نوع جديد من أنواع الاستعمار فيه كل ما في الاستعمار القديم من صفات، وله ما لسَلفه من الأهداف والغايات، غير أنه طور نفسه مستغلاً آليات حديثة مدهشة، واستفاد من دروس الماضي حين أخفى مخالب الاستعمار القاسية تحت ألفاظ ناعمة: كالتعاون، والشراكة، والتعاون المتبادل، وحشد ـ إلى جوار القوة العسكرية ـ هيمنة المال والاقتصاد والتقنية الحديثة ووسائل الثقافة والإعلام، وأسباب التسلية والترفيه. وهذه الهجمة الكاسحة ـ على مناطق الضعف والفراغ ـ سوف تُحدث أثرها دون شك، لكن ذلك سوف يكون لمدى محدود، يطول أو يقصر وفقاً للظروف، وبالأساس وفقاً لقدرات الشعوب على المقاومة والمحافظة على استقلاليتها، وقدرتها على حفظ هويتها وصلابتها في الصمود أمام تيارات الإغراق الإعلامي والثقافي والاستهلاكي التي تهجم عليها من كل جانب. ونحن على يقين من أن العولمة ـ بقدر ما يظهر عليها من علامات القوة والسطوة ـ فإنها تحمل معها بذور ضعفها وانهيارها، ومن شأن هذه البذور أن تزداد نمواً كلما اتسعت الدائرة وتعددت مناطقها ومساربها؛ وأهم نقاط الضعف أنها نظام مادي صِرف يقوم على الجشع والسيطرة والاستغلال، وشهوة الكسب، ويثير أكثر الميول وضاعةً في النفس الإنسانية: ميول التقليد الأعمى، وتخدير العقل حقيقة أو مجازاً، وعشق المظاهر، والتبذير، واعتماد الانتهازية في السلوك والكسب، والعمل وفق منطق «الحظ والمصادفة» ، والاستسلام للشهوات، وبتعبير آخر: إطلاق الوحش البدائي الذي يسكن أعماق الإنسان، وتحطيم تلك الكوابح الأخلاقية التي جاء بها الأنبياء، أو حتى تلك البقايا الأخلاقية التي تحدث بها فلاسفة وحكماء، ومن شأن هذه الميول أن تزداد ضراوة كلما اشتدت التناقضات التي تفد مع المادية كالطبقية والظلم الاجتماعي، وتفاوُت الدخول، وغَلَبَة الاستهلاك على الإنتاج، وفي غيبة التدين وانحسار القيم والأخلاق تصل هذه التناقضات ذروتها في موجات العنف، والإرهاب، والتصدعات الاجتماعية العنيفة، والحروب الأهلية، وتقع الصورة التي حذر منها القرآن الكريم أمثال هذه المجتمعات: {قّدً مّكّرّ پَّذٌينّ مٌن قّبًلٌهٌمً فّأّتّى پلَّهٍ بٍنًيّانّهٍم مٌَنّ پًقّوّاعٌدٌ فّخّرَّ عّلّيًهٌمٍ پسَّقًفٍ مٌن فّوًقٌهٌمً $ّأّتّاهٍمٍ پًعّذّابٍ مٌنً حّيًثٍ لا يّشًعٍرٍونّ} [النحل: 26] ، ويبقى أن يبذل المخلصون من أبناء هذه الأمة جهدهم الدؤوب والصبور من أجل التبصير بالمخاطر، وحماية الناشئة، والتميز والإبداع في بث القيم الراشدة وبالأسلوب المناسب عبر الآليات الجديدة؛ فكل هذه الجهود من شأنها أن تثمر ـ بإذن الله ـ في جعل أمتنا عصية على «التنميط» والتبعية؛ ومن ثم بعيدة عن دوامات العولمة، على الأقل في جانبها العقدي والقيمي.
(*) رئيس تحرير مجلة: (المنار الجديد) .
المصدر:http://www.albayan-magazine.com