ثورة تاتشر في بريطانيا وريغان في الولايات المتحدة جاءت لتصحح هذا"الانحراف"، من خلال خصخصة القطاع العام. وانفتح المجال بذلك للسوق ان تنظم نفسها بنفسها حسب مبدأ"اليد الخفية": القوي سيصمد والضعيف سيسقط. هكذا وجدت الرأسمالية نفسها تنجر من جديد لعهد الرأسمالية التقليدية حتى لو سميت باسم جديد"العولمة"، وهذه المرة بشكل اكثر وحشية.
في وثيقة حزب دعم"القضية الفلسطينية والبديل الاشتراكي - رؤية جديدة في عصر العولمة"، كتبنا ان العولمة لم تأت بالديمقراطية والتقدم كما وعدت، بل بمزيد من الحروب والدمار. الازمات والحروب التي نشهدها منذ تفرد امريكا بقيادة العالم، لا تزال تضرب الهوامش وليس المراكز: 1997 انهيار الاقتصاد في تايلاندا، افلاس الارجنتين، الهند وباكستان، الانتفاضة. واذا كانت المراكز لم تنتقل لحروب فيما بينها فذلك لان الدول العظمى تلجم نفسها بشكل واع لمنع الحرب العالمية الثالثة التي قد تطيح بالنظام الرأسمالي برمته، خاصة انه لم يعد هناك قوة احتياط تنقذه.
مجرد الازمات يشير الى ان العولمة لم تنجح في وضع حد للتناقضات الطبقية بل زادتها حدة. السبب ان القوانين الاساسية في الاقتصاد الرأسمالي لم تتغير، والتناقض الجوهري بقي ايضا في الطريقة الجديدة: التناقض بين الشكل الاجتماعي للانتاج والتملك الخاص لوسائل الانتاج. وبكلمات اخرى، مبدأ الربح بقي هو المبدأ الذي يحرك الانتاج وليس مصلحة المجتمع.
في ختام هذا الفصل نقول ان العولمة هي مرحلة متطورة من الامبريالية، وليست نقيضها. لسنا في وضع ثوري يشير الى انهيار كل اجهزة النظام القائم، ولكن الانهيار هو الاتجاه العام. الفوضى العارمة التي تسود العالم الثالث هي نتيجة الامبريالية الجديدة التي تدفعها اطماعها للربح لاخراج 80% من البشرية خارج قوانين اللعبة.
كيفية مواجهة العولمة
خلافا للينين الذي كان عليه مناقشة الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية، فاننا نواجه اليوم وضعا فقدت فيه الطبقة العاملة اي تمثيل حزبي سياسي، وفقدت حتى الوعي الطبقي الاممي. الاحزاب التي ناقشها لينين وصلت للسلطة في المانيا وبريطانيا مثلا، من خلال تبني برنامج البرجوازية ونظام دولة الرفاه، وتنازلت بذلك عن الدور التاريخي لحزب الطبقة العاملة، وهو الوصول للسلطة. الى هذا الفراغ السياسي دخلت منظمات غير حكومية تعرّف نفسها بانها غير سياسية، واستأثرت لنفسها بحق تمثيل الشعوب المضطهدة.
هذا القطاع الذي يسمى القطاع الثالث، او المجتمع المدني، يشمل بالاضافة للمنظمات الاهلية ايضا مثقفين ليبراليين. يؤمن هذا القطاع بالتعاون بين الطبقات، ويحرض ضد التغييرات الجذرية، وذلك من خلال تمويه التناقضات الطبقية والادعاء بانتهائها. بدل ذلك ينادي باصلاحات مدنية، والابتعاد عن العمل السياسي، وتأكيد اهمية الفرد على حساب العمل الجماعي المنظم.
هذا القطاع اعتبر العولمة في البداية ثورة تكنولوجية متقدمة على غرار الثورة الصناعية، ذلك انها الغت الحدود وسمحت بالمنافسة الحرة. الخصخصة فتحت مجالا للجميع لاستخدام الحق بتحقيق الذات من خلال تشجيع المبادرات الفردية الحرة. النجاح او الفشل اصبحا حسب هذه النظرية مسألة ذاتية تتعلق بقدرات الفرد او الامة على ادارة مبادراتهما. انهيار الاتحاد السوفييتي بالنسبة لهذا القطاع كان الاثبات على فشل الاشتراكية والاستبداد، وان بامكان الجميع الاستفادة من خيرات الديمقراطية وعهد الانسانية.
النقاش حول طبيعة العولمة هام، فمنه تشتق المهمات. وكما ان كاوتسكي دعم الحرب وخان مصالح الطبقة العاملة، بسبب تحليله ان النظام الرأسمالي لم يستنفذ نفسه بعد، كذلك فان القطاع الليبرالي الانتهازي في ايامنا، اختار تجاهل حقيقة ان الحدود فتحت فعلا ولكن ليس من اجل الانسانية بل من اجل التحرك الحر لرأس المال وللقوى العاملة الرخيصة، لمضاعفة ارباح الشركات الرأسمالية الضخمة، فكانت النتيجة سكوت هؤلاء الليبراليين عن الاملاءات الاقتصادية التي فرضتها مؤسسات المال العالمية على بقية الامم، ودعمهم للحروب الرجعية التي قادتها قوميات مختلفة ضد روسيا ويوغوسلافيا بدعم كامل من امريكا، ودعمهم ايضا لاتفاقات السلام الفلسطينية والشمال ايرلندية والجنوب افريقية، علما انها خدمت البرجوازية المحلية والقوى الاستعمارية وتناقضت مع مصالح الشعوب.
وضع ثوري؟
لقد مثل لينين امام وضع ثوري، احتدت فيه التناقضات داخل النظام الرأسمالي لدرجة الحرب وانهيار كافة مؤسساته السياسية والاقتصادية والاجتماعية. في هذا الوضع رأى ان الامبريالية، عصر الاحتكارات، هي المرحلة الوسط بين الرأسمالية وبين مرحلة اعلى في تطور النظام الاقتصادي نحو سوق مبرمجة وموحدة، بكلمات اخرى: اشتراكية. ودور الطبقة العاملة هو اعطاء الدفعة لعملية ولادة النظام الجديد، هذا ودفع قطار التاريخ الى الامام من خلال الثورة. عندما مثلت روسيا امام وضع ثوري، كان حزبه الوحيد الجاهز لقيادة الثورة، بسبب قدرته على رؤية الامور وتحليلها.