فهرس الكتاب

الصفحة 3651 من 27364

وهنا مكمن الخطر ومستوقد الشر الذي قد لا ينطفئ إلا بعد أن يجتاح العقول ويمسك بزمام العاطفة، وحينئذ يكون الغرب قد استكمل هيمنته من غير حرب وبلا أي سلاح وبدون أي خسائر، بل يكون قد صنع لنفسه مدداً جديداً، يأخذ منه - عند الحاجة - ما يريد.

رابعا: التقنية الحديثة في وسائل الاتصال:

وقد تسأل: وما الجديد في ذلك كله بعد أن شاع خبره وعمّ ذكره؟

والجديد هو في التقنية الحديثة التي تطرأ كل يوم على وسائل الاتصالات والمواصلات، وتطور بها أجهزة الإعلام أداءها على نحو غاية في السهولة والإتقان، بحيث تصل إلى من يعيش فوق الجبال، أو يركب ظهر البحار، أو يسكن سحيق الأودية، أو يطير سابحاً في الفضاء، فلم تترك هذه الأجهزة ذات التقنية الحديثة ركناً إلا دخلته، تاركة لصاحبه أن يختار من بينها ما يشاء من فضائيات، تخاطبه بلغات مختلفة، وتعرض عليه من الأفلام والمسلسلات الجيد والرديء، وما يخاطب العقول، وما يدغدغ الغرائز، وما على الإنسان إلا أن يضغط بلمسة رقيقة من إصبعه على زر لتعرض عليه الفضائيات المتعددة - وهو نائم في فراشه - ما يشاء.

وكان آخر ما توصلت إليه التقنية الحديثة في مجال الاتصالات هو"الستلايت المترجم"أي الذي يقوم بدورين في آن واحد التقريب والتوضيح ثم تخرج منه الكلمات الملقاة على ألسنة الممثلين أو قارئي الأخبار، أو غيرها مترجمة إلى اللغة التي يريدها المشاهد.

ولا شك أن للغتنا العربية نصيبها الوافر من الترجمة، لأن السوق العربية واسعة كبيرة، والشركات المنتجة لا تستغني عنها، وإلا ضاع عليها جزء كبير من مبيعاتها، وقد تلحق بها بعض الخسارة إن فقدت هذا السوق.

والربح المادي لهذه الشركات يأتي على حساب القيم الأخلاقية والفضائل الكريمة للشعوب الإسلامية، ورغم انتشار (الستلايت) إلا أنه كان يحد من أثره الاحتياج إلى الترجمة المصاحبة لكل ما يبثه من أفلام ومسلسلات أجنبية، وهذا أمر ترهق به ميزانية أجهزة الإعلام نظراً للأموال التي تدفعها للقائمين على الترجمة والمشرفين عليها. وكان كثير من غير القارئين ينصرفون عمّا يبثه الستلايت، نظراً لأنه غير مترجم، وغير مفهوم، ومن لم ينصرف كانت المشاهدة بالنسبة له قاصرة على صورة يراها أو منظر يمّر عليه ضمن مسلسل أو فيلم، ثم يمضي لحال سبيله يرى ما يراه، فلم تسمع أذنه ألفاظاً تخدش الحياء مع وجودها والنطق بها، لأن حاجز اللغة منع عنه هذا الأذى، وكانت أجهزة الترجمة - وما تزال - تحاول أن تغير بعض الألفاظ التي تصك الأسماع بقبيح القول، فتجعل بدلها ألفاظاً مقبولة.. أما مع اختراع الستلايت المترجم فقد سقطت كل الحواجز بين المشاهد وبين ما يشاهده، تصل إليه الصورة، وتصل إليه الكلمة، قبيحة أو غير قبيحة، صريحة أو مغلفة، والذين يحسنون اللغات الأجنبية وعندهم من الوقت ما يشاهدون بعض المعروض بهذه اللغات يخبروننا أن بهذا المعروض الذي يعالج مشاكل الشباب أو الأسرة أو المشاكل الاجتماعية وبعض المشكلات الاقتصادية كثيراً من الكلمات التي تصطدم بجدار الحياء فتخرقه وتنفذ منه، لتستقر في ذهن المشاهد مرتبطة بأحداثها ومقدماتها ونتائجها، فلا تغيب عن وعيه إلا بعد وقت طويل وجهد كبير.. ويا له من بلاء!!! ويا له من ابتكار قد يجر علينا كثيراً من المصائب والمتاعب ما لم نقاومه ونصد الناس عنه. والمقاومة المادية بجميع صورها قد لا تجدي في حالات كثيرة، ولذا فلم يبق أمامنا إلا أن نقاوم هذا البلاء مقاومة معنوية.

المقاومة:

وفي مقدمة هذه المقاومة المعنوية إيجاد الوازع الديني في ضمير كل فرد بحيث يصده هذا الوازع عن السعي نحو الشر، أو عن البحث عنه، وعن متابعته والتأثر به، والانغماس في هوّته، لأن أمثال هذه الشرور التي تبث من خلال الأجهزة العصرية، لا تزيد عن سراب خادع يحسبه الظمآن ماء، وما هو بماء، ولكنه هراء يثير نفوس الشباب بما يعرضه أمامهم، ويفسد أخلاقهم، وقد يدفع بهم - وهم يجرون خلف السراب - إلى الجريمة وهم يظنونها غنيمة، وما هي إلا غرامة وندامة وحسرة وخسارة يوم القيامة، يوم يؤتى بأنعم أهل الأرض فيغمس في النار غمسة ثم يقال له: هل رأيت نعيماً قط؟ فيقول: لا.

ومن عناصر هذه المقاومة: تعميق الجانب الثقافي والفكري والاهتمام بإحياء القيم الأصيلة في نفوس الأفراد، بحيث يدركون أن هذه القيم متعلقة بأشخاصهم وذواتهم، فإن هم نفضوها عنهم خلعوها من سلوكهم فقد لا تحيا من بعدهم، ولا يبقى لها أثر في حياة قومهم، ولذا فإن الحرص على هذه الجوانب الثقافية والفكرية تعميق للمشاعر الوطنية وإحياء لها في النفوس، فإذا ما تعرضت هذه القيم للضياع ضاعت معها فكرة الأوطان، وضربت الوطنية في الصميم، لأن الوطن ليس أرضاً فقط، بل إنه مجموعة من الناس تتفاعل وتتعاون حول مبادئ معينة فوق قطعة من الأرض تعارفت المجتمعات على حدودها، وكما أن الحدود الجغرافية يهب الناس للدفاع عنها حين يعتدي عليها المعتدون، فكذلك ينبغي أن يدافع الناس عن ثقافتهم وأفكارهم ومبادئهم وقيمهم حين يعتدي عليها - كذلك - المعتدون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت