فهرس الكتاب
مما سبق، نجد أن المتغيرات العالمية المعاصرة شاملة لجميع جوانب حياة الإنسان المعرفية والتقنية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وأن كل متغير منها يتضمن جدلًا علميًا وفكريًا وتطبيقيًا، بل ويؤثر كل متغير منها في الآخر، وهي متغيرات تشكل البيئة المحيطة بالنظام التربوي، وتؤثر في كافة عناصره وعملياته وفقًا لمنهج النظم، وحيث إن المعلم يعد الركن الأساسي في هذا النظام وتأثره أمر واقع لا مفر منه، فإن هذا يستدعي التعرف على الآثار التي تحدثها هذه المتغيرات في تكوين المعلم وإعداده، وتحديدًا التأثير في وظائف الكليات التربوية وكليات إعداد المعلمين والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها والبرامج التعليمية والبحثية والتدريبية التي تقدمها.
ثانيًا: المتغيرات العالمية المعاصرة وأثرها في تكوين المعلم
تفرض المتغيرات العالمية المعاصرة السابقة العديد من الآثار والتحديات «الفرص والمخاطر» على أهداف ووظائف وبرامج مؤسسات إعداد المعلم «كليات المعلمين والكليات التربوية» ، وعلى أدوار ووظائف المعلم والكفايات والمهارات الأساسية المطلوب توافرها فيه، ولذا سيتم تحديد هذه الآثار ليمكن التعامل معها بشكل عام، وتمكين المعلم من التفاعل الجاد والخلاق مع معطيات العصر، بشكل خاص، وذلك على النحو الآتي:-
1-الآثار المعرفية:
تتمثل أبرز الآثار المعرفية على مؤسسات إعداد المعلم، في الآتي (15) :-
-تغير أهداف العلم وتوجهه للتطبيقات، فيما يعرف «بتكامل المعرفة» ولمزيد من العلم والتعليم.
-تغير أساليب وأدوات الحصول على المعرفة وتنظيم تراكمها واسترجاعها بالحاسب الآلي.
-ازدياد الروابط البحثية وبرامج التبادل العلمي، مما أدى إلى زيادة الإنتاجية والكفاءة البحثية.
-تزايد البحوث بين التخصصات فيما يعرف «بالدراسات البينية» لتبادل الخبرة والمعرفة والأداء.
-تزايد الاستثمار الدولي في البحوث التطبيقية والتطوير ( r &D) ، وفي استخدام الأنشطة المعرفية.
-تزايد وضع المعايير العلمية في عالم ابتكاري، لتجنب التكرار ووضع المبتكر في مقدمة الموجة.
-حماية الملكية الفكرية في الاتفاقيات الدولية، وإعطاء دور واسع للعلم والخبرة والمهارة.
-تقادم المعارف وانخفاض قيمة ما يتم اكتسابه في الجامعات والمؤسسات التعليمية بشكل عام.
-الجامعة لم تعد المصدر الوحيد للمعرفة، لقيام مؤسسات خاصة تهتم بتوليد المعرفة وتطويرها، وحدوث انقسام بين مؤسسات التعليم في الميزانية والإمكانات والمكانة والتأثير والتخصص.
-إفساد طبيعة الأبحاث الجارية في الجامعة، لما تثيره من قضايا أخلاقية ودينية وتربوية.
-تنامي «السرية» داخل مختبرات الجامعة، مما يحدّ من عملية تطور العلم وحيويته وتبادله.
كما أن تسارع تدفق المعرفة أدى إلى الوفرة وفقدان الاتجاه في البيئة التعليمية معًا، لأن المرء مضطر اليوم ليعترف بأن المواضيع والنظريات ليست نتاجًا آليًا لظروفها الموضوعية، وأن الرابطة بين أحداث منفصلة مكانيًا ومتقاربة زمانيًا غالبًا ما يصعب تفسيرها منهجيًا (16) ، إضافة إلى تعقد طرق تحديد المشكلات وإجراءات التنفيذ والحلول، والتي تثير الحيرة وتكشف الخلل في المنهج العلمي التقليدي، وتستلزم معايير جديدة لتأكيد النوعية والصدق والحقيقة والتقبل المعرفي والتقييم (17) .
وتطرح هذه الآثار العديد من التساؤلات: عن إيفاء مؤسسات إعداد المعلم باحتياجات التربية في ظل ندرة العمل العلمي الرصين وتغير التكوين المهني المطلوب. وعن كيفية التعامل مع تعاظم عملية تجزيء المعرفة والتخصص فيها. وما التعديلات اللازمة لإعداد المعلم للتعبير عن رؤية متكاملة نسبيًا للمعرفة؟ وهل سيكفي إدخال مضمون متداخل أم إيجاد نهج جديد برمته؟ (18) .