فهرس الكتاب

الصفحة 3747 من 27364

وقد كان كلّ من جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده بعيد النظر حين رأى أن الأصول الدينية الحقة تنشئ للأم قوة الاتحاد وائتلاف الشمل، وتبعثها على اقتناء الفضائل وتوسيع دائرة العلوم والمعارف، وتنتهي بها إلى أقصى غاية في المدنية. ولم يتوفر هذا الذي رأياه إلا في رسالة الاسلام المكتملة التي جمعت في إعجاز رباني بين متطلبات الدين ومتطلبات الحياة، وحثت على الانفتاح والتعارف والإخاء الانساني طريقاً للتكامل بين البشر، ودعت إلى الاستفادة من علوم الآخرين في مضمار الرقي المادي والعلوم العقلية والتجريبية. قال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) سورة الحجرات: 13.

وقال عليه الصلاة والسلام ـ فيما رواه الترمذي والعسكري ـ: (( الحكمة ضالة كل حكيم فإذا وجدها فهو أحق بها ) ).

ومما يؤكد مبدأ الانفتاح والتواصل بين الأمم في دعوة الاسلام العالمية من أجل الخير لكل البشر أنه كفل المحافظة على الحقوق والعهود والمواثيق للذين لم يأتمروا عليه. قال تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرُّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) سورة الممتحنة: 8.

وفي ضوء هذه المبادئ السامية التي سنها الاسلام للتعامل مع غير المسلمين انتشرت رسالة الاسلام في جميع أنحاء الأرض، وازدهرت الحضارة الاسلامية في جوانبها المادية نتيجة التقائها بثقافات الإغريق والرومان والفرس والهنود وغيرهم. حيث تعرف المسلمون على علومكثير من الشعوب من غير ملتهم، وتكونت لديهم خبرات واسعة في شتى المجالات الصناعية والتجارية والزراعية والعمرانية والعلمية والفنية، وترجموا إلى اللغة العربية كل ما عرفوه من تراث الأقدمين، وصهروا هذه الخبرات والمعارف التي أخذوها واستفادوا منها في بوتقة الاسلام، فجاءت الحضارة الاسلامية فيما بعد مطبوعة بطابعه وممهورة بخاتمه، عدا الإسهامات الجديدة التي أبدعوها إبداعاً بعد أن لم تكن شيئاً مذكوراً.

ـ العقلانية في النموذج الاسلامي:

بالرغم من أن تراث الإغريق كان بحق المنبع الأساسي الذي أخذ منه المسلمون في أولى مراحل النهضة العلمية الاسلامية، وبالرغم مما تميز به هذا التراث من إنكار للوحي وتجسيد لهيمنة العقل وسلطان العقلانية في المجتمع المقسم إلى سادة وعبيد، إلا أن الحضارة الاسلامية ظلت محافظة على قوام الدين الاسلامي ومقوماته، حيث نهض الاسلام المرتكز على (( الوحي ) )بدور (( المكون الرئيسي ) )حتى لمعالمها وقسماتها غير الدينية، ومن ثم قاومت (( العقلانية المؤمنة ) )في الحضارة الاسلامية أي تأثير يؤدي إلى شطرها أو تلويثها، وضربت صفحاً عن الصيحة الشائعة لدى الإغريق بأن (( النظر للسادة والتجربة للعبيد ) )وبقي القرآن الكريم حصن الأمان لكل المسلمين، يستحث جميع ملكات الانسان على تحصيل العلم النافع، ويدعو إلى اقتران هذا العلم بالعمل الطيب والسلوك الأمثل ويرسي مبدأ تكريم الانسان وتحقيق المساواة الانسانية. قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) سورة الصف: 2، 3.

قال عز من قائل: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) سورة الحجرات: 13.

ـ عالمية الاسلام ليست العولمة:

وهكذا تؤكد لنا حقائق التاريخ أن حضارة الاسلام قدمت لنا (( نموذجاً إرشادياً ) )Pa r adigm لناموس التفاعل الحضاري الذي يلعب دوراً أساسياً في تقدم الشعوب، بالإضافة إلى مجموعة المثل والمبادئ العقيدية والعوامل الذاتية الخاصة بقدرات ودوافع كل أمة على إحداث التغيير، وهي أبعد ما تكون عن تلك الصفات القائمة على التعصب للجنس أو الدين أو البيئة الجغرافية، فالفكر والإبداع لم يكونا أبداً قاصرين على شعب دون شعب، أو مكان دون مكان، أو زمان دون زمان، بحيث نقول عن جنس معين من البشر: إنه أذكى بني الانسان، أو نصف الأقدمين بأنهم أقل ذكاءً وعبقرية من المعاصرين، أو نميز منطقة معينة من الأرض بأنها الأصلح دون سواها لاحتضان الفكر الإبداعي وتشيدي البناء الحضاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت