فهرس الكتاب

الصفحة 3748 من 27364

ومهما روجت الأقوام المنسوبة إلى الجنس الآري لمقولة تفوقها على غيرها من الأجناس، أو بالغ الأوروبيون في سرد مزايا إقليمهم و (( عبقرية ) )موقعهم الجغرافي بالقياس إلى القارات الأخرى، فإنهم لو عاشوا منعزلين عن باقي شعوب العالم لظلوا على حالتهم البدائية المتوحشة حتى يومنا هذا. وإن هناك من بين الغربيين أنفسهم مَن راح يسخر جاهراً من الاعتقاد السائد بينهم بأن الصفات التي تميزهم منط ول فارع وشعر أشقر وعيون زرقاء وبعد عن الفكاهة هي سر التقدم الذي صاحب حضارتهم، ولم يجد المنصفون من علماء الغرب المعنيين بالدراسات الاسلامية أدنى حرج في الاعتراف بحقيقة العطاء المتبادل بين الحضارات بما في ذلك حضارة الغرب الحديثة والمعاصرة، فيقول أحدهم وهو (( كولر يونج ) )في ندوة عن (( أثر الثقافة الاسلامية في الغرب المسيحي ) ): وبعد فهذا عرض تاريخي قصد به التذكير بالدين الثقافي العظيم الذي ندين به للاسلام منذ أن كنا نحن المسيحيين داخل هذه الألف سنة ـ نسافر إلى العواصم الاسلامية وإلى المعلمين المسلمين ندرس عليهم الفنون والعلوم وفلسفة الحياة الانسانية، وفي جملة ذلك تراثنا الكلاسيكي الذي قام الاسلام على رعايته خير قيام حتى استطاعت أوروبا مرة أخرى أن تتفهمه وترعاه. كل هذا يجب أن يمازج الروح التي نتجه بها نحو الاسلام نحمل إليه هدايانا الثقافية والروحية، فلنذهب إليه إذن في شعور بالمساواة نؤدي الدَّين القديم. ولن نتجاوز حدود العدالة إذا نحن أدينا ما علينا بربحه، ولكننا سنكون مسيحيين حقاً إذا نحن تناسينا شروط التبادل، وأعطينا في حب واعتراف بالجميل.

ـ مقومات النهضة العلمية الاسلامية:

إن الفاحص المدقق لواقع الأمة الاسلامية الآن لا يجد صعوبة في تقييم هذا الواقع من مختلف الجوانب: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية وغيرها، مقارنة بالأحوال المناظرة في دول العالم المتقدم. الأمر الذي يتضح معه أن فجوة التخلف العلمي والتقني التي تفصل بين دول العالم الأول ودول العالم الثالث فجوة هائلة تزداد اتساعاً يوماً بعد يوم. ويعتقد الكثيرون أن سدّ هذه الفجوة يكاد يكون مستحيلاً.. ويروج البعض لما يقول به الغرب من أن حالة التخلف التي نعيشها نتيجة طبيعية لارتباطنا بالاسلام.. وأن ما نقاسيه اليوم عقوبة نستحقها لانسلاخنا عنه (أي عن الغرب) خاصة وأنه يزعم أن حضارته وتصوراته وثقافته هي المعيار الذي يجب أن يقاس عليه الحال عند الأمم الأخرى، فكل ما وافق الفكر الغربي اعتبروه حضارة وتقدماً، وكل ما خالف النظام الغربي وصف بالتخلف والبعد عن الحضارة.

وتبلورت هذه الصورة مؤخراً فيما يسمى (( بالعولمة ) )أو (( الكوكبة ) )التي تعني ضرورة تعميم النموذج الغربي ليشمل الكرة الأرضية سياسياً وثقافياً وعلمياً واقتصادياً، وتذوب فيه كل الثقافات والهويات غير الغربية.. ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى التهوين من شأن الحضارات الأخرى والحط من قدرها، ويتم التركيز بصورة رئيسية على دين الاسلام وحضارته. حيث يعتبرونه الخطر الأول الماثل أمامهم.. ويرون في النموذج الاسلامي مصدر قوة تضعف سيطرتهم وهيمنتهم، وتهدد بقاء حضارتهم.

ولهذا إن العولمة الغربية تسعى إلى تدمير النموذج الاسلامي بكل السبل وتستخدم لذلك أساليب عديدة منها:

1 ـ في مجال التربية والتعليم، وإليه يعزى السبب الأول لتخلف الأمة نتيجة الازدواجية التي تؤثر في إعداد العقلية الاسلامية.. والتي جعلت التعليم مجرد وسيلة للحصول على شهادة متوسطة أو عليا لا تعبر في أغلب الأحوال عن المستوى الذي يناظرها في الدول المتقدمة. وفقد نظام التعليم في جميع مراحله القدرة على إعداد وبناء متخصصين على مستوى جيد، خاصة في المجالات العلمية: النظرية والتطبيقية والتقنية.

2 ـ في مجال الثقافة العلمية: نجح النموذج الغربي في تكوين ذيول أو عمالة ثقافية في الدول النامية تروج لفلسفة العلم الغربية التي تدعو جميعها إلى تهميش دور الدين وإبعاده عن دائرة التأثير.. وتطوع هؤلاء السلفيون للنموذج الغربي والثقافة الغربية، تطوعوا من خلال المنافذ المتاحة لهم في أجهزة الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية لنشر ثقافة التغريب والدعوة إلى مقاطعة الماضي الذي لم يجدوا فيه شيئاً على الإطلاق يفيد حاضرنا أو مستقبلنا..

3 ـ في مجال البحث العلمي لم يتناسب العائد كمّاً وكيفاً مع الإمكانات والقدرات والأموال التي تنفق دون ترشيد، بالرغم من آلاف الخريجين الذين تخرجهم أكثر من 250 جامعة و 350 معهداً متخصصاً ونحو ألف مركز وأكاديمية للبحوث العلمية والتقنية، موزعة في مختلف دول العالم الاسلامي.

وإذ ما قبلنا هذا التشخيص لحالة العلم والتقنية في العالم الاسلامي فإنه يمكن تحديد صور التحدي التي تواجه الأمة بصورة إجمالية فيما يأتي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت