ولكن من ناحية أخرى فإن نظم الجبروت والطغيان والطبيعة التي قام عليها العالم القديم وبنى عليها الفرس والرومان نظمهم. هذه النظم التي سحقت الجماهير وقضت عليهم بالاستعباد وحرمتهم كما يقولون، الحقوق الأساسية للانسان وكانت الحرب تعني تدمير هذه النظم الطاغية وتحقيق العدل الاسلامي للجماهير، مع منحها حرية الاحتفاظ بدينها وفي نفس الوقت يكفل لهم الجيش الاسلامي الحماية مقابل تقديم جزاء لهذا، وهي (( الجزية ) )التي اشتقت من مادة الجزاء.
هنا نجد أفضل صورة للعالمية، صورة تعرف الناس بدين يستبعد عبادة الأحبار ـ والرهبان والملوك والطغاة، ويعرض عبادة الرحمن الرحيم الخالق الكريم رمز القيم والمثل الغائبة والإيمان برسول أرسله الله رحمة للعالمين.. ولكن هذا العرض لا يعني، ـ كما أشرنا ـ الإجبار، أنه مجرد عرض، دور المسلمين فيه أن يكونوا شهداء عليه.
وفي الوقت نفسه فإن تطبيق القيم الاسلامية والنظم الاسلامية التي تقوم أساساً على العدالة وتستبعد كل صور الظلم والطغيان تحرر المجتمع وتفتح أبواب الحرية وآفاق المبادرات للأفراد جميعاً..
يتضح مما سبق أن للاسلام (( عالمية ) )وضعها تطبيقاً لتوجيه القرآن (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات: 13.
وهذه العالمية لا تقف أمامها حدود أو سدود وهي تنظر إلى الناس جميعا دون تفرقة بين أبيض وأسود. ذكر وأنثى، والاسلام يجد من واجبه أن يعرف ناس هذه العالمية بالاسلام كعقيدة دينية وعدالة دنيوية وقيم حضارية فالمسلمون هم حملة رسالة عليهم أن يبلغوها، وفي العهود الماضية لم يكن ذلك متيسراً بغير العمل العسكري الذي يشعر الجماهير به، فضلاً عما يتمخض عنه من حرب، أو إيمان، أو موادعة تكون كلها لها آثار بعيدة المدى إن لم يكن في إسلام هذه الأقوام فعلى الأقل تعرفهم على قيم الاسلام، وبالتالي ثورتهم على قيم الطغيان والجبروت.
ولكن العصر الحديث وضع في أيدي الدعاة وسائل للدعوة والتبليغ أبعد مدى وأكثر أثراً من أي وسيلة أخرى، وأتصور أن هذه هي وسيلة المسلمين للدعوة وأنها هي البديل عن الجهاد الذي لم يكن له بديل من قبل.
فعالمية الاسلامية عالمية حضارية تقوم على أسس وقيم الاسلام الحضارية سواء كان في مجال العقيدة أو في مجال النظم.
ومرة أخرى قد يقول قائل: ليس في هذا جديد فالمسيحية، يمكن أن تدعى مثل هذا الدور وهذا صحيح إلى حد ما لأن المسيحية والاسلام أخواعلات، كما يقولون: أي من أب واحد وأمهات شتى ولا يستشعر الاسلام حساسية، ذا قامت المسيحية بتعميم قيم الحب والخير بين الناس جميعاً والفرق الوحيد أن الاسلام أكثر أحكاماً من المسيحية سواء في عقيدة الألوهية الخالية من التعقيد الكهنوتي، أو في النظم التي تقوم على العدل..
خلاصة القول أن الاسلام بطبيعته عالمي وإن عالميته تقوم على التعريف به، وما فيه من قيم وأن هذا يمكن أن يتم مع احتفاظ الأمم الأخرى بأديانهم لأن الاسلام وإن كانت عقيدة من ناحية فهو نظام في ناحية أخرى وقاعدته العامة هي الآية: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) .
وهذه الآية هي التي تجعل الاسلام عالمياً، وتجعله في الوقت نفسه يرفض العولمة المزعومة لأنها تجعل من قادة المجتمع الأوربي الأمريكي أرباباً من دون الله وتملي على شعوب جماهير العالم الثالث التسليم لها.
ذلك أن العولمة التي يدعون إليها ليل نهار ليس إلا الصورة الأخيرة من الهيمنة الأوربية على العالم.
وقد سبقتها عولمة (( الإمبراطورية الرومانية ) )وما يطلقون عليه (( السلام الروماني ) )وكان سلاماً يقوم على السيف الروماني العريض الذي قهرت به الجيوش الرومانية العالم القديم وفرضت نفسها عليه وتحكمت فيه تحكم فاتح يرى أن كل ما في المدينة المفتوحة من أرض، ومال، وعقار وناس هم ملك له بحق الفتح...
وانطوت تلك الصفحة لتظهر صفحة أخرى من العولمة الأوربية: عولمة تقوم على تقسيم العالم بين الدول الأوربية طبقاً لاتفاقات في مؤتمرات دولية وكان شعار هذه العولمة وأداتها (( الأسطول البريطاني التي وصلت بوارجه إلى أقصى مواني العالم وقصفت قلاعه.
واليوم تأتي جولة جديدة في المعركة نفسها تأتي العولمة التي لا يكون سلاحها السيف الروماني العريض ولا الأسطول البريطاني العتيد، ولكن التكنولوجيا السحرية وما أوجدته من مَرَدة، مثل الكمبيوتر، والأقمار الصناعية، والتليفزيون، وغيره مما زلزل المقومات والقيم والتقاليد والخصوصيات، ولم يجعل هناك ما يمكن أن يقف في وجه هذه المردة، فالسماوات نفسها مفتوحة أمامهم، وفي الأرض غزوها غرف النوم فيها في كل مكان من؟ أجهزة التليفزيون ويتطلع الأفريقي في غابته على إحدى الأزياء الباريسية وآخر المسلسلات الأمريكية.