والهدف الوحيد الذي تعمل له كل قوى العولمة هو أن يصبح العالم سوقاً واحداً مفتوحاً، دون جمارك أو حمايات، بحيث يمكن للمنتجات الأوروبية الأمريكية (( المتلتلة ) )أن تجد لها مشترين، وأن يتم هذا على أنقاض الصناعات والمنتجات القومية التي لا تتمتع بمزايا المنتجات الأوربية الأمريكية. أما قضية الثمن فليست مشكلة. إذ يمكن التحكم في عملات الدول كما يشاء تجار العملة.. كما يمكن اللجوء في المرحلة الأولى إلى أسلوب الإغريق أولاً، أي النزول بثمن السلعة إلى ما دون التكلفة لفترة معينة تبور فيها كل السلع القومية، وتفلس مصانعها لتعود هذه الدول فترفع في الأسعار كما تشاء، بعد أن انفردت بالسوق..
وتقوم الإعلانات في الجرائد، وفي التليفزيون بحرب أعصاب حقيقية تحطم فيها مقاومة المستهلك بحيث تفصل السلعة بالمعلن عنها عن سلعته، بل يجد نفسه منساقاً لشراء السلعة المعلن عنها حتى ولو لم تكن رغبة الصحيفة.؟
وبهذه الطريقة ينقسم العالم إلى نخبة فوقية هم سكان الدول الأوربية/ الأمريكية. ومستهلكين هم الدول الأخرى...
ولما كانت شعوب دول العالم الثالث لا تستطيع الشراء إلا عندما يتوفر لها عمل وتحصل منه على نقود، فإن العالم الأوربي/ الأمريكي يدخر لها أدنى الأعمال وأقلها كسباً وأكثرها ناء، وبذلك يرفع عن نفسه القيام بهذه الصناعات والحرف أو بخس الأجور فيها ـ لأنه لا يريد بخس الأجور في بلاده وبهذا يكسب مرة أخرى ولا يؤثر فيه أن إنقاص الأجور في العالم الثالث سيؤثر على قوته الاستهلاكية، لأن عددهم بمئات الملايين، ولأن إغراء السلع الجديدة، وتأثير الدعاية والإعلان تجعل عمال الدول النامية تخيف على غذائها وكسائها وثقافتها في سبيل الحصول على التليفزيون الذي يشبع المتعة ويعرض ما يقوم بدوره في الإشباع العاطفي حتى بدور الممارسة العاطفية.
وإذا كانت العولمة الرومانية تعتمد على السيف، وعولمة الاستعمار تعتمد على الأسطول، فإن لدى العولمة الحديثة ترسانة كاملة من الأسلحة، فبعد ظهور الآثار السيئة لاقتصاديات الشركات متعددة الجنسية أو عابرة القارات تلتمس الدولة مساعدة صندوق النقد الدولي الذي يتقدم (( بوصفة ) )معروفة تتضمن تخفيض العملات، وتقليص الإعانات والخدمات الاجتماعية وخصخصة الشركات وترك آليات السوق حرة في العمل، ويقدم الصندوق لقاء إجابة هذه الشروط معونات نقدية بفوائد متفاوتة، وما أن تتقبل الدولة ذلك حتى تجد نفسها وقد أصبحت أسيرة الصندوق لا تملك لنفسها شيئاً، فقد أطلقت عنان الرأسمالية التي لا تعرف إلا الربح والمنافسة القاتلة، وأسوأ شيء أنها تعجز عن سداد الديون وتتراكم الفوائد ويصبح هم الدولة تسديد الفوائد التي فاقت أضعافاً مضاعفة الدين الأصلي..
لقد أصبح واضحاً أن الهدف الرئيسي للعولمة المزعومة هو القضاء على سلطة وقوة الحكومة خاصة في المجال الاقتصادي، بحيث تصبح الدولة تحت رحمة صندوق النقد الدولي، واقتصاديات الشركات الكبرى التي تزيد مالية إحداها عن عشرين أو ثلاثين دولة من دول العالم الثالث، بحيث لا تستطيع أن تقدم شيئاً لشعوبها، أو تصد غائلة الرأسمالية الدولية أو تعينها في محنتها لأن هذا كله يخالف مبادئ الاقتصاد الحر كما يزعمون.
ومن ترسانة العولمة الحديثة (( العقوبات الدولية التي تفرضها أمريكا باسم دول العالم على مَن تشاء طبقاً لمعاييرها الخاصة، فتترك إسرائيل تصنع مئات الرؤوس النووية وتضرب العراق، والسودان لمظنة أن لها نشاطاً ودراسات نووية، وقد سلطت العقوبات الدولية على ليبيا، فلم تستطع مصر، وهي أقرب الدول إليها أن تفعل شيئاً لها.
وكان وجود الاتحاد السوفيتي ومنظومة الدول الاشتراكية يعوق انطلاقة وحش العولمة، فلما تهاوى الاتحاد السوفيتي انفردت الولايات المتحدة وانفسح أمامها المجال لأسوأ صور الاحتكار والعربدة.
وأعتقد أن من الضروري لمجموعة الدول الاسلامية أن تتكتل لمقاومة هذا الوباء، ولن تعجز من أن تجد حلفاء لها من الدول التي حاقت بها نقمة العولمة لوضع حد لهذا الابتزاز والتحكم والهيمنة.