فهرس الكتاب

الصفحة 3959 من 27364

إذن، فأسس المبادئ الديمقراطية التي قامت عليها الديمقراطيات الغربية أخذت تهتز أمام زحف العولمة. أما حقوق الإنسان فإن الولايات المتحدة التي تقود العولمة عاملتها دائمًا بازدواجية معايير، وسوف تعاملها بمثل هذا الازدواجية أكثر حين تتعرض العولمة إلى موجات الاحتجاج والمقاومة، خصوصًا مع ما تحمله من إشاعة للبطالة، والفقر، والجريمة، وضرب الصناعات المحلية، والهيمنة على اقتصاديات البلدان الأخرى، فالعولمة ستعطي، بالضرورة دورًا أكبر لأجهزة القمع في الولايات المتحدة نفسها كما في بقية بلدان العالم.

أية ديمقراطية وأي حق من حقوق الإنسان سيبقى إذا ألغيت قوانين العمل والحقوق المكتسبة للعمال، وأعيد النظر بالضرائب والجمارك بما يخدم الشركات متعدية الحدود؟ وأية ديمقراطية وأي حق من حقوق الإنسان سيبقى مع انتهاك سيادة الدول، وامتلاك حق التدخل، وإخضاع اقتصاديات العالم إلى قانون السوق الواحدة؟

وأية ديمقراطية وأي حق من حقوق الإنسان سيبقى إذا أصبحت الشركات متعدية الجنسية تمتلك أجهزة الإعلام على المستويين العالمي والمحلي، وتتحكم في الجامعات ومراكز البحوث، وفي المؤسسات الثقافية، وفي أغلب المنظمات غير الحكومية، وبالسوق عمومًا، ومن ثَم التمكن من شراء ذمم أعداد متزايدة من المثقفين والنخب والتكنوقراط، وذلك حين تصبح هذه الشركات المصدر الرئيسي للتشغيل، والشهرة، وتأمين الرفاهة لجحافل من المثقفين، ولمن سيتساقطون في الطريق، وكانوا في الأمس لا يبيعون أنفسهم ولا يخدعونها، ولا يسوغون ذلك بالاضطرار أمام صعوبة العيش وتأمين مستقبل الأطفال؟ فما معنى الديمقراطية إن لم تكن هنالك معارضة لا تُشترى، أو كانت هنالك معارضة، ولكن محرومة من كل وسائل الإعلام والتعبير؛ بسبب السيطرة الهائلة التي تمارسها الشركات الديناصورية متعدية الجنسية، ومن هنا يروق لكثيرين ممن يوافقون من حيث المبدأ أو من طرف اللسان على نقد العولمة، ولكن يقولون بأنها تشق طريقها لا محالة، ولا مجال لمقاومتها، أو لإيجاد بديل لها غير"التكيف".

ويحمل التكيف هنا معان كثيرة، ويمكن أن يذهب بصاحبه إلى آخر الشوط.

على أن السمة التي هي الأهم بين سمات العولمة، والتي تشكِّل القاعدة التي يقوم عليها البناء الاقتصادي والبناء الثقافي للعولمة، إنما هي المتعلقة بميزان القوى العسكري العالمي وميزان القوى السياسية العالمي.

العولمة تتأسس على ميزان القوى العسكرية

القهر العسكري كفل حماية القهر الاقتصادي

هنالك رأي قديم أصبح اليوم أكثر قوة يعتبر أن التطور الاقتصادي هو الذي قرَّر النظام العالمي أو النظام السياسي في هذا البلد أو ذاك، والبعض يسمِّيه قانون المصلحة الاقتصادية؛ ولهذا هنالك من يركِّزون على الثورات التي حدثت في السنوات العشرين الأخيرة في مجالات الاتصالات المعلوماتية والتقنيات، باعتبارها السبب الرئيس أو الأول الذي دفع إلى تشكل نظام العولمة أو حوَّل عالمنا إلى"قرية صغيرة"، وهنالك من يعتبرون أن القوة الاقتصادية لكل دولة هي التي تحدد موقعها في عالم العولمة الآتي.

ولكن لو أمعنَّا النظر في السنوات العشر الأخيرة سنجد أن ما حدث من تغير في ميزان القوى العالمي جاء بعد تفكك المعسكر الاشتراكي وانهيار الاتحاد السوفييتي، وبروز الولايات المتحدة الدولة الأقوى في ذلك الميزان، وهو ما استتبعه تلويحها بإقامة نظام عالمي جديد أحادي القطبية، يتحكم بدول العالم قاطبة، وهو الذي سيضع الأنظمة الحاكمة لتفاعلات هذه الدول ويحدِّد مصائرها، وقد رافق عملية انتهاء الحرب الباردة استعراض القوة الذي استخدمته الولايات المتحدة ضد العراق في حرب الخليج، الثانية ثم حرب إقليم كوسوفا، فضلاً عن سلسلة من استعراض للعضلات بأشكال متعدية في مناطق متعدية؛ من أجل تكريس نظرية القطب الواحد في المجالين العسكري والسياسي.

لنتذكر جيدًا أنه ما من نظام اقتصادي عالمي أو محلي يمكن أن يعمل يومًا واحدًا إذا لم يكن هنالك قوة عسكرية تحميه وقوة سياسية تقوده، أو على الأقل تدعمه وتعطيه الشرعية.

ولهذا فإن النظرية التي نطرحها هنا تقول بأولوية ما يحدث من تغيير في ميزان القوى العسكرية والسياسية، على ما حدث من تغييرات على المستوى التكنولوجي والمعلوماتي والاتصالاتي في عملية أو مشروع تشكل العولمة، بما في ذلك جانبها الاقتصادي نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت