بل إن إطلاق ثورات الاتصالات والمعلوماتية والتكنولوجية في السنوات الأخيرة كان بسبب التطور الذي حدث في ميزان القوى العسكري والسياسي، فكل من لا يعرف عليه أن يعرف أن أهم الاكتشافات التكنولوجية، والمعلوماتية، والاتصالية ولدت وترعرت في أحضان المؤسسة العسكرية، أو كانت تحت مراقبتها، وبرهن إشارتها لعشر أو عشرين سنة سابقة قبل السماح بإنزالها إلى السوق التجاري المدني، بل إن ما بأيدينا الآن متخلف خمس أو عشر سنوات عما هو في أيدي المؤسسة العسكرية الأمريكية، فقد كان الأمر كذلك دائمًا في مرحلة الحرب الباردة وعلى ضفتيها وقبلها، وسيظل كذلك إلى أن يحسم الصراع الدولي، أو بالأحرى يتلاشى، وهو الأمر الذي من الصعب تصوره في الأمد المنظور.
المهم أن تسليط الأضواء على ما يحدث في المجال المعلوماتي والتكنولوجي أو ما يحدث في المجال الاقتصادي في فهم العولمة يظل قاصرًا وسطحيًّا ما لم تسلط الأضواء على حالة ميزاني القوى العسكري والسياسي باعتبارهما الأساس في المشروع العولمي الراهن، وباعتبارهما الأساس في تقرير مستقبل العولمة، وفي تحديد الأشكال والسمات التي ستأخذها في قابل السنوات القريبة، بما في ذلك الانتقال إلى مرحلة مختلفة في العلاقات الدولية، من حيث النظام الاقتصادي أو موازين القوى العسكرية والسياسية العالمية.
إن من تابع نقاشات"اتفاقية الجات"، ثم منظمة التجارة العالمية، ثم مختلف المعاهدات التي أخذت تطرح خلال السنوات العشر الماضية، سيجد أن الدول هي التي تدير تلك النقاشات، وأن الولايات المتحدة قد وضعت ثقلها العسكري والسياسي، وثقلها في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي للوصول إلى اتفاقية منظمة التجارة العالمية والمعاهدات الأخرى، وإذا كان هنالك ما يعتبر قيد الإنجاز أو قيد المراجعة والتغيير، فيرجع إلى ما نشأ مؤخرًا من ميزان قوى سياسي لم يَعُد يسمح للولايات المتحدة أن تتصرف كما كانت تفعل قبل بضع سنوات، وهو الذي يفسِّر فشل مؤتمر وزراء منظمة التجارة العالمية في سياتل، وما واجه منتدى دافوس في سويسرا أو مؤتمر الأنكتاد في تايلاند، وما تبع وسيتبع ذلك من مؤتمرات؛ بسبب ما نشأ من صراعات بين الدول، ويجب أن نضيف هنا تعاظم أهمية الدور الشعبي العالمي في الاحتجاج على الثالوث (النكد) الذي يتشكل من: منظمة التجارة العالمية، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وهو الذي راح يدفع القيادة الأمريكية وبلسان كلينتون رئيس الجمهورية الأمريكية، وعدد من قادة الدول بما في ذلك قادة الثالوث المذكور، إلى الانحناء أمام العواصف التي راحت تهب ضد العولمة، وإن كان الانحناء لامتصاص النقمة وليس تراجعًا عن المضي بها حتى النهاية، الأمر الذي سيجعل السنوات القادمة حُبلى بالصراعات فيما بين الدول الكبرى، كما فيما بين الولايات المتحدة وشعوب العالم بما في ذلك فئات من شعبها، كما فيما بين الثالوث المذكور وغالبية الدول التي فرض عليها الدخول في منظمة التجارة العالمية أو خضعت - قسرًا - لتعليمات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
بكلمات أخرى يجب ألا تُفهم العولمة بأنها ولادة طبيعية لتطور العلوم أو لثورات التكنولوجيا أو لتشكل الشركات متعدية الحدود، بالرغم من أن هذه جميعًا تشكل أركانًا من أركانها، وإنما هي في الأساس نتاج ميزان قوى عالمي تشكَّل بعد انتهاء الحرب الباردة متمثلاً بمحاولة الولايات المتحدة فرض نظام القطب الواحد على العالم، وهو ما يسمح بدورة جديدة من النهب العالمي. وهذا النهب هو ما سمح للاقتصاد الأمريكي أن يتعافى - ولو مؤقتًا - من الأزمة التي كانت تطحنه أواخر الثمانينيات، سواء أكانت ذلك بسبب الديون الخيالية الداخلية والخارجية أم كان بسبب المنافسة الاقتصادية اليابانية والألمانية، فحرب الخليج والانتقال إلى القطبية الأحادية، ثم حرب كوسوفا نقلت الاقتصاد الأمريكي إلى مرحلة النمو والازدهار، ولا ننسى هنا مئات البلايين التي نُهِبت جهارًا نهارًا من دول الخليج، ولا ننسى الضغوط التي مورست ضد الاقتصادين الياباني والألماني خلال هذه الفترة، ولعل ما أحدثته حرب كوسوفا بالنسبة إلى"اليورو"لشاهد بليغ على ما تقدم.
إذا كنا نريد قراءة مستقبل العولمة في المدى القريب، وإذا كان الموضوع آنف الذكر حول أولوية ميزان القوى العسكري والسياسي صحيح، فإن قراءة مستقبل العولمة في المدى القريب والمتوسط والبعيد سيتوقف على قراءتنا لتطورات ميزان القوى العسكري والسياسي حاليًا ومستقبلاً.