فهرس الكتاب

الصفحة 3961 من 27364

وعلى الرغم من التغيير الذي حدث في ميزان القوى العسكري والسياسي بعد حرب الخليج الثانية، وانهيار الاتحاد السوفييتي، وخروج الولايات المتحدة قوة كبرى متفوقة تحاول أن تقيم نظامًا عالميًّا جديدًا على أساس القطبية الأحادية. فقد واجهت الولايات المتحدة خلال الخمس سنوات الماضية ألوانًا من المقاومة والمعارضة من الدول الكبرى الأخرى، وما زالت سواء أكان من روسيا على المستويين العسكري والسياسي، أم من أوروبا، واليابان، والصين، على المستويين الاقتصادي والسياسي. كما واجهت معارضة راحت تتصاعد من قبل دول العالم الثالث. وكان الموقف من قضية العولمة التي تريدها الولايات المتحدة واحدًا من نقاط الخلاف، وما جرى في المؤتمر الوزاري لمنظمة التجارة العالمية في سياتل، وفي قمة مجموعة الـ77 في هافانا، وفي قمة المجموعة الـ 15 في القاهرة، إلى جانب تصريحات أوروبية، خصوصًا فرنسية وأخرى روسية وصينية؛ لتصحيح أو تعديل شروط العولمة، إلا دليل على تعمق الخلافات مع الولايات المتحدة. كما يشكِّل ذلك دليلاً أيضًا على أن الولايات المتحدة ما زالت بعيدة عن إمكانية التفرد والانفراد في تقرير كل شيء، وهذا ما جعل العولمة لا تزال في مرحلة انتقالية وعرضها لعدد من الصدمات، وربما النكسات، ومن ثَم ضرورة إحداث التعديلات الضرورية عليها، والأهم أن بريقها قد خبا، وراحت سلبياتها تتضح أكثر فأكثر.

يمكن القول: إن العالم يعيش الآن في مرحلة صراع بين اتجاهين رئيسين: اتجاه يريد إقامة نظام القطب الواحد، واتجاه ثانٍ يسعى إلى نظام متعدد القطبية. وبالرغم من الفروق القائمة بين القوة الأمريكية من جهة، وكل قوى أخرى على حدة، فإن تجمع القوى بشكل موضوعي يفرض تضييق تلك الفروق بالضرورة، ولا يترك يد الولايات المتحدة تتحرك بلا حسيب أو رقيب، ومن ثَم يجعل العولمة حالة تحت (التعديل) إن لم يُدخلها في طريق مسدود في حالة نشوء ميزان قوى عسكري وسياسي يختلف عما هو قائم الآن، فالأوضاع العالمية حبلى بالتطورات والمتغيرات في الاتجاهين كما يُقال.

إذا لم تستطع الولايات المتحدة أن تبني الغطاء الصاروخي المضاد للصواريخ، فإن كل ما يقال عن تفردها وتحكمها سيظلُّ عرضة للانتكاسة والأزمة؛ ولهذا راح الروس والصينيون يعارضون بشدَّة مخططات التصعيد العسكري الذي طرحته إدارة كلينتون مجددًا لتطوير الغطاء أو الجدار الصاروخي، كما أظهر الأوروبيون انزعاجًا شديدًا من هذا المشروع. لاحظوا أين تدور المعركة الحقيقة للعولمة الآن؟ إن من لا يدرك خطورة أن تمتلك أو لا تمتلك، الولايات المتحدة هذا الغطاء لا يستطيع أن يتحدث في السياسية أو الاقتصاد.

بكلمة أخرى إن المعركة حول العولمة بطبعتها الأمريكية أو بطبعتها المعدلة تدور أساسًا في المجال العسكري والسياسي (السياسي أخذ يتعاظم دوره) ؛ لأن حسم الموضوع هنا هو الذي يقرر مصير النظام الاقتصادي العالمي في الوقت نفسه.

ومن هنا يجب أن نرى جوهر العنف السافر وراء العولمة المؤمركة ومشروعها منذ عشر سنوات، وكذلك مشروعها المستقبلي. كما يجب أن نرى معادلة ميزان القوى العسكري وميزان القوى السياسي في فهم العملية العالمية المعقدة الجارية الآن في محاولة الانتقال إلى العولمة بمفهومها الأمريكي أو بمفهومها"المعدل"أو توقع الأزمات والصراعات الحادة.

نحو برنامج لمواجهة العولمة

البرنامج لابد وأن يكون شاملا

أ - الاهتمام بالبعدين السياسي والعسكري:

يجب الاعتراف بأن العولمة نظام راح يُفرض بالقوة وممارسة الضغوط المختلفة، سواء مباشرة من جانب الإدارة الأمريكية، أم من خلال البنك وصندوق النقد الدوليين، وليس نظامًا راحت تفرضه التطورات الاقتصادية أو الثورات العلمية والتقنية والمعلوماتية بطريقة الانسياب السهل.

وهي ليست نظامًا"ديمقراطيًا عالميًا"تقرره أغلبية الدول، أو يترك لها الخيار بشأنه.

فعلى سبيل المثال إن الذين يؤكدون أن الانغلاق في وجه العولمة يؤدي إلى التهميش لا يلحظون أنهم يلوحون بالتهديد ويجعلون دخول العولمة عملية قسرية بالضرورة، ولا يلحظون أن الأسباب والعوامل التي تجعل عدم الدخول في العولمة تؤدي إلى التهميش ستظل فاعلة بعد دخول العولمة: أي ستبقى فاعلة في إعادة صياغة بلدك ضمن ما تريده العولمة الأمريكية منك.

أما الذين يلطفون هذه العملية بالحديث عن التكيف الإيجابي، ويجعلون الكرة في"ملعبك"، ويقولون: انزل إلى الميدان، وستحصل على مكاسب بمقدار اجتهادك، فإنهم بضربة واحدة يحولونك إلى قوة فاعلة وهمية قادرة - بنظرهم - على تجاوز الضغوط التي كانت قبل حين أمرًا لا يقاوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت