ـ أتفق على أن لديهم وجهة نظر جزء مما يحدث هو أن القوى الديمغرافية تغيرت في القرن العشرين لصالح الشرائح المتدينة، ولكن ما يحدث أيضاً هو أن العلمانية أنهكت نفسها، لقد أصبحت كفكرة قديمة يجب أن تبرر نفسها، ولا يبدو أنها لا تزال قادرة على إلهام متبعيها، إذا نظرنا إلى ما يكتبه المفكرون الليبراليون ستجد أن العديد منهم يوجهون النقد العلني للعلمانية لأنها أصبحت تمثل نسخة قديمة وعقيمة، وستجد أن هؤلاء يفضلون على سبيل المثال التعددية الثقافية والتي تتعامل بتسامح أكبر مع التنوع الديني، والتعدد الأخلاقي؛ لأن هذا التسامح أكثر حيوية.
قد يكون هناك أيضاً جزء خاص بوجود حدود سيكولوجية لدرجة العلمنة التي يمكن أن يتوصل إليها البشر، فالبشر في النهاية في حاجة إلى الاستمرارية والأمان الوجودي، والخلود وتحقيق معنى... إلخ.
• لقد أشرت إلى ظاهرة ازدياد عدد المورمون عن اليهود في الولايات المتحدة كمثال للخصوبة الدينية أو التناسل من أجل الله، هناك مثل مشابه في ازدياد عدد الفلسطينيين عن اليهود في الأراضي المحتلة، هل ترى أن هناك وجهاً للمقارنة بين الحالتين؟
ـ نعم ففي كلتا الحالتين تلعب القوى الديمغرافية دوراً سياسياً، حيث إن الأعداد لها وزنها وخاصة مع وجود الديمقراطية، هناك فرق واحد يجب أن أشير إليه وهو أن حافز الفلسطينيين لزيادة الخصوبة سياسي في المقام الأول، بينما أن حافز طائفة المورمون فهو حافز ديني.
الإسلام الأوروبي:
تلعب الهجرة دوراً مهماً في تفسيرك لانحسار العلمانية، ولكن يبدو لي أنها تلعب دوراً أقل أهمية من الصحوة الدينية لدى السكان البيض، ألا تخشى أن يساء فهم أطروحتك على أنها تدق ناقوس الخطر ضد نمو الإسلام الأوروبي؟
ـ التأثير الرئيسي على المدى البعيد سيكون للدور الذي سيلعبه السكان البيض، حيث سيعكس المسيحيون ارتفاعاً في معدلات إنجابهم لأسباب دينية، أعتقد أيضاً أن نمو الإسلام الأوروبي سيكون قوة لها وزنها وأهميتها، ما أريد أن أقوله هو أن القوتين معاً ستؤديان إلى زيادة تيار التدين، وأنه إذا انضم المسيحيون البيض إلى المسلمين المتدينين فإنه من الممكن أن يحدثوا تغيراً اجتماعياً مشابهاً لما حدث في الولايات المتحدة عندما انضم المسيحيون الإنجيليون البروتستانت مع الكاثوليك التقليديين، واليهود المحافظين، ووحدوا قواهم في الثمانينات والتسعينيات لزج أجندة دينية على طاولة الحزب الجمهوري لا يمكن أن ننسى أن هذه الطوائف كانت من القوى المعارضة السابقة، وبالتالي لم يكن عرضاً أن يشغل جون كينيدي منصب أول رئيس كاثوليكي للولايات المتحدة عام 1960م بعد قرابة المائتي عام على تأسيسها.
• كيف ترى الدور الذي يلعبه الإسلام الأوروبي فيما يخص انحسار العلمانية؟ هل يمكن مقارنته بالدور الذي يقوم به المسيحيون الإنجيليون؟
ـ لا أعتقد أن الإسلام الأوروبي سيتزعم القوى المؤدية إلى انحسار العلمانية، ولكن المسلمين الأوروبيين من الممكن أن يكونوا حلفاء مؤثرين للمسيحيين المتدينين الذين يعملون لمجابهة المدى العلماني، وأتذكر أنني سمعت ذات مرة في مناظرة إسلامية في بريطانيا واحداً من المسيحيين الإنجيليين يطالب شباب بريطانيا المسلمين بالنهوض والإدلاء بأصواتهم لمن يعملون على مقاومة القوى العلمانية، لا ينبغي لنا أن نقلل من أهمية الحدة التي يرفض بها المسيحيون المتدينون العلمانيين إلى الدرجة التي تجعلهم مستعدين لضم قواهم السياسية مع الجماعات الإسلامية.
• هل ترى أن هناك صراعاً بين الدين والعلمانية أم أن انحسار العلمانية سيحدث تدريجياً بسبب التغيرات الديمغرافية؟
ـ أعتقد أن الديمغرافيا ستسبب أزمة للعلمانية الليبرالية، المجتمع الحالي الذي نعيشه والذي يجمع بين تسامح رسمي تجاه التنوع الديني والثقافي، وبين علمانية متضمنة سيظهر متناقضاته عما قريب، العلمانية ستضطر لإيجاد لغة مجتمع مشترك، ومعنى يمكن أن يلهم الناس بنفس الطريقة التي يلهمهم بها الدين، فيما مضى كانت الوطنية المنافس الرئيسي للدين، ولكن الليبرالية الآن تخلت عن مفهوم القومية، وتبنت التعددية الثقافية، لا أعتقد أن الأمور ستستمر كثيراً على هذا الحال.
فكر ثقافي محافظ:
• تحدثت عن التحالفات بين الطوائف المختلفة فيما يخص القيم والأفكار المحافظة هل ترى أي أمل لهذه التحالفات الآن في ظل الأزمات السياسية في الشرق الأوسط والحرب الشاملة على الإرهاب؟
ـ الإمكانية موجودة لأن المناخ العام اليوم يسمح بمناقشة الدين بشكل أوسع من مناقشة القوميات والعرقيات، الليبراليون لن يرحبوا بفكرة أن يقوم المحافظون ببناء تحالفات طائفية على أسس دينية، ولكنهم سيرون أنه هذه سياسة أكثر تقدمية من الحركات المحافظة المبنية على أسس قومية تعبئ المسيحيين والليبراليين ضد الآخر غير الأوروبي.