فكثيرا ًما تقوم الشعوب بتطويع تكنولوجيا الاتصال لخدمة الثقافة المحلية أو الاتجاهات السياسية والاجتماعية للأفراد والجماعات ويسخرها لأهداف لم ترد في فكر صانعيها ولم يصمموها لها أصلاً. إن تكنولوجيا الاتصال تسمح للجماعات المتوافقة فكرياً والمتباعدة جغرافياً بالاندماج في نشاطات مشتركة، وتشكيل جبهة ضاغطة على مستوى العالم مما يحقق لجهودها التكامل والتأثير. ثبتت فاعلية وسائل الاتصال الإلكترونية الشخصية في مجالات عديدة أبرزها مجال المعارضة السياسية، ومقاومة الاحتلال وطلب الاستقلال فصورة الشهيد محمد الدرة شكلت جبهة كونية ضاغطة لمصلحة الشعب الفلسطيني المطالب بحريته، كذلك استخدام فيلم عن مذبحة صبرا وشاتيلا وإعادة عرضه بعد انتخاب شارون رئيساً للوزراء ساهم في تذكير العالم بأن جزار وسفاح صبرا وشاتيلا لن يكون رجل سلام، ومن قبل استخدم آية الله الخميني الكاسيت الصوتي لإشعال لهيب المعارضة ثم الثورة ضد الشاه، والجمهور يقبل على هذه البدائل في ظل ضعف وسائل الإعلام الرسمية وغلبة السمة الدعائية عليها وافتقارها إلى التثقيف والمعالجة الشاملة والموضوعية للأحداث، فيلجأ الجمهور إلى التسهيلات التي تقدمها تكنولوجيا الاتصال الشخصية بحثاً عن طرح مختلف، أو نافذة للرأي الآخر.
ويمثل الإنترنت مع أنه ظاهرة جديدة ومتنامية دليلاً حيوياً على نشاط الجماهير وقدرتها على تطويع تكنولوجيا الاتصال. في العالم العربي ينمو الوعي بأهمية الشبكة العالمية وضرورة الاستفادة منها لتدعيم القيم، ونشر المعلومات، والإسهام الإيجابي في حركة العولمة.
هناك الآن آلاف المواقع الإسلامية والعربية على الشبكة أقامت معظمها الاتحادات والمنظمات الإسلامية في طول العالم وعرضه ويوجد تنسيق مستمر بين معظم هذه المواقع إزاء القضايا الحيوية مثل قضية فلسطين، والتمييز العنصري الذي يتعرض له المسلمون في الغرب (يشمل ذلك إعداد ملفات توثق الممارسات العدائية والجرائم وأشكال الإقصاء التي يتعرض لها المسلمون. وهناك مواقع عديدة للقرآن الكريم بلغات مختلفة، ومواقع تحتوي على أوقات الصلوات وعناوين المراكز الإسلامية ومعلومات عن الحج والعمرة وحساب المواريث وترجمات للحديث النبوي وخدمات إخبارية وترفيهية منوعة) .
إن الإنترنت يفتح آفاقاً واسعة للجمهور النشط ليقوم بخدمة ثقافته المحلية وهويته الخاصة. ويشير بعض الدراسات عن استخدام تكنولوجيا المعلومات في الكويت إلى أن الشركات الكويتية لا تستخدم الإنترنت لالتماس صفقات تجارية عالمية، بل لتعزيز الهوية المحلية ونشر القيم الإسلامية المحافظة، وهو ما لا تدركه الآن خطابات الهيمنة في عصر المعلومات التي تشدد على الهيمنة. ولاحظت نمواً لثقافة إنترنت نشطة ونمط ثابتاً من المعرفة والممارسة المحلية شكل استجابة الكويت لعصر المعلومات. وتصف الدراسة عملية بناء ثقافة عالمية بأنها تشكيل لفرقة موسيقية غير متناغمة ثقافياً: الآلات ليست سواء، هناك أكثر من قائد، وليس كل الموسيقيين إذا وجد أحد أصلاً يريد أن يعزف اللحن نفسه. النتائج يمكن أن تكون موسيقى جميلة أو رديئة حسب الظروف.
حيوية الجماهير
ومما يدلل أيضاً على حيوية الجماهير هو أنها ليست متجانسة في قراءتها للرسائل الإعلامية، وأنه لا يوجد معنى كوني أو مطلق للنص حتى وإن كانت هناك أيديولوجية مهيمنة عليه. تصاغ الرسائل الإعلامية بحذر لتحمل معنى موجهاً، لكن ذلك قد يصطدم بالقدرة التفسيرية للجمهور الذي قد لا يتشرب المعنى المراد. فتحاول الجماهير استيعابه وقراءته بطريقة تفاوضية، أو مقاومته وقراءته بطريقة معارضة. الرسائل الإعلامية إذن حبلى بالمعاني، وعملية استخلاص المعنى تتأثر بعوامل ثقافية واجتماعية محلية. ولهذا يبدو من البساطة القول إن أفلام هوليودو ستقود مشاهديها في أنحاء العالم إلى اعتناق قيم الرأسمالية الاستهلاكية، والتحرر على الطريقة الأمريكية.
اختلاف التلقي والفهم للأفلام والبرامج ومواد التسلية الغربية لا يعني عدم شعبيتها، فالعواطف والدموع ومشاعر النصر والفرح والحزن، وقيام العلاقات وذبولها كل هذا الخليط الدرامي يشحذ الاهتمام ويغري بالمتابعة. لكنها متابعة تقود إلى استهلاك الصور لا المعاني بالضرورة، فالناس يستخدمون معايير ثقافية مختلفة لتفسير الرسائل بطريقة قد تتناقض مع ما يهدف إليه القائم بالاتصال. هذا السلوك يحد كثيراً من تأثير الهيمنة.
إذن نظريات الاستعمار الثقافي التي تقول إن الهيمنة تغلف في لوس أنجلس، وتشحن إلى القرية الكونية، ثم تفتح في العقول البريئة". نظريات غير صحيحة، فالنتيجة عكس ذلك: (عقول بريئة قليلة جداً، وتشكيلة من القرى) ؟!!"