وتعتبر الولايات المتحدة وجودها ونفوذها في المنطقة ضمانة الإدماج الإيجابي لدول المنطقة في حظيرة المجموعة الدولية. وفي هذا الاتجاه فإن الولايات المتحدة تفضل التدخلات الاقتصادية والحقوقية والإغراءات المالية في إطار منظمات غير حكومية ومجموعات رجال الأعمال والمستثمرين. ومن جهتنا نلاحظ أن الولايات المتحدة اتخذت مساراً متغايراً ومتدرجاً في التزامها إزاء المنطقة فقد التزمت الصمت على سياسات روسيا في جوارها القريب بموجب تفاهم جيواستراتيجي (الشراكة من أجل السلام) ثم أخذت في النصف الثاني من التسعينيات تتدخل بشكل أكبر يدل على ذلك حضورها العسكري وكذا تصاعد ضغوطها السياسية والإعلامية على بعض دول المنطقة، كما أنها نهجت نهجاً متناقضاً في بعض الحالات فهي ضد الدكتاتورية وفي الوقت نفسه لم تفعل شيئاً ضد حكومة أوزبكستان السلطوية، وفي الوقت نفسه تقول إنها ترعى المصالحة والاستقرار والاندماج وحرية التجارة مع أنها تحاصر إيران وتضغط على شركاتها من أجل رفض خيار أنبوب النفط الذي يمر عبر الطريق الإيرانية رغم أنه الأمثل اقتصادياً والأفضل أمنياً ومالياً..
ثالثاً القوى الإقليمية الأخرى:
كما تعلمنا الصورة الأفغانية التي تتسم بكون مواقف الدول الإقليمية (باكستان، إيران، روسيا) جزءاً لا يتجزء من المشهد الأفغاني بالنظر للرهانات الكامنة وراء مسألة"من يحكم أفغانستان؟"وهي رهانات تتراوح بين الأمني والاستراتيجي والاقتصادي، فإن دول آسيا الوسطى المستقلة ومعها دول القوقاز الثلاث تشكل موضوعاً لتنافسات ومناورات القوى الأقليمية الأخرى المتمثلة أساساً في إيران وتركيا وباكستان.
1 ـ إيران وتركيا:
بسبب العوامل الجغرافية والتاريخية والثقافية توجد إيران في موقع متميز إزاء آسيا الوسطى، فهي متاخمة لأذربيجان وتركمانستان. كما أن لإيران صلات ثقافية ضاربة في التاريخ خلال ما يقرب من ألفي عام، بحيث كان لإيران"الدور الثقافي الرئيس في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز، وكان بعض أنحاء هذه المنطقة موضع نزاع بين الفرس والأتراك (القرن 16) ثم بين الفرس والروس (القرن 18 و 19) كما كانت شعوب المنطقة تتحدث اللغة الفارسية قبل أن يتم تتريكها، لكن بقي التراث الفارسي عميقاً في المنطقة، كما تشترك إيران ديموجرافياً في إحدى القوميات، حيث يوجد بإيران نحو تسعة ملايين إيراني أذري لا يمكن تمييزهم عن ستة ملايين يمثلون القومية السائدة في جمهورية أذربيجان. وكذلك فإن قطاعاً من شعب أفغانستان كان قد فصل عن روابطه الطبيعية مع آسيا الوسطى السوفييتية (سابقاً) عبر نهر آموراديا، الذي يكون معظم الحدود بين أفغانستان والاتحاد السوفييتي (السابق) . (13) "
ورغم أن تركيا لاتملك حدوداً مباشرة مع الشعوب المنحدرة من أصل تركي الواسعة الانتشار في آسيا الوسطى والقوقاز، فقد عوضتها أوزبكستان الجمهورية الاكثر نمواً من حيث العامل الديموجرافي (ما يزيد على 20 مليون) والتي تشكل نوعاً من"الجامع التركي"بين شعوب المنطقة. ولئن كان لإيران مصالح جيوسياسية وثقافية مفهومة وهي تعمل جاهدة لترسيخها برغم العداء الأمريكي التركي، والحذر من بعض النخب العلمانية القومية، فإن تعاونها مع روسيا من جهة أكسبها موطئ قدم في طاجيكستان، كما أن تحولها السياسي الأيديولوجي التدريجي يعطيها من جهة ثانية موقع جذب جديد للنخب التواقة إلى التوفيق بين الأصالة التاريخية والثقافية من جهة والمعاصرة المتمثلة في التجديد السياسي الديمقراطي وإشاعة مفاهيم المجتمع المدني وحكم القانون من جهة أخرى. ناهيك عن كون إيران تتوافر على مقومات مد أنابيب النفط والغاز من بحر قزوين إلى الشرق الأوسط وأوروبا.
ومع أن طبيعة السياسة الإيرانية السابقة مضافاً إليها الحملة الإعلامية والأيديولوجية المنسقة بين أمريكا وتركيا والكيان الصهيوني عرقلت إلى حد ما استراتيجيات إيران في المنطقة فإن حتميات الجغرافيا والثقة المتصاعدة في النظام الإيراني يضعها في موقع الممر الضروري ضمن رهانات المنطقة الجيواستراتيجية والجيواقتصادية.
أجل إن إيران تواجه عوائق مذهبية (جل المسلمين في المنطقة موضوع البحث سنيون) وعوائق القدرة المالية على الاستجابة لتطلعات دول المنطقة في التنمية وتدفق الاستثمارات والخبرة التقنية. وهناك أيضاً مخاوف من عدم الاستقرار العرقي في أفغانستان ومضاعفاته الأمنية على التوازنات الإيرانية كما أن هناك خشية من تطلع القوميين الأذريين إلى أذربيجان كبرى تجمع جمهورية أذربيجان باشقائهم في العرق في محافظة أذربيجان الإيرانية. (14)
أما تركيا فإنها تقدم نفسها كنموذج حداثي متجه نحو أوروبا ومتحالف مع أمريكا التي تتطلع إليها دول المنطقة كقوة حماية ومساعدة من الناحيتين الاقتصادية والسياسية؛ إلا أن لتركيا قيداً من جنس عنصر الجذب الذي تتمتع به إنه العامل العرقي التركي الذي يثير حذر الجمهوريات من سيطرة وتمدد تركيين في المنطقة تحت عباءة"الجامعة التركية".