فهرس الكتاب

الصفحة 4139 من 27364

إن القرب الجغرافي والتماثل العرقي كما هو عنصر تفضيلي فإنه أيضاً عنصر تنفيري أو أقله تهديدي، وتتمتع إيران بعلاقات قوية مع كل من روسيا وطاجيكستان وأرمينيا (التي دعمتها مع أنها مسيحية لفك حصار أذربيجان المسلمة عليها) وتركمانيا (قامت بعقد اتفاقيات تعاون اقتصادي بما فيها عقد مد أنابيب النفط التركماني عبر إيران) حرصت إيران منذ البداية على تأمين حصتها في بحر قزوين.

وأبرمت إيران تحالفاً قوياً مع روسيا ودعت الجمهوريات السوفييتية إلى الإبقاء على روابط الاتحاد السوفييتي والتنسيق مع روسيا (15) . كما أن إيران لا تؤيد انفصال الشيشان عن روسيا؛ ولا تقوم بأي عمل من شأنه تهديد مصالح روسيا في المنطقة وخاصة لجهة الامتناع عن تدعيم الحركات الإسلامية المقاتلة؛ وهو ما تقابله روسيا باستمرار بمواصلة تعاونها العسكري مع إيران من جهة، وإبداء التحفظات على التورط التركي في المنطقة من جهة ثانية. وهو ما عبر عنه السفير الروسي في تركيا بقوله:"إننا نود أن تكون علاقة تركيا مع الجمهوريات علاقة الشقيق، وليس المثير لنزعات عنصرية" (16) .

إلا أن إيران بدورها تواجه الضغط الأمريكي المتجه إزاء روسيا من جهة وإزاء الجمهوريات من جهة أخرى، فهي (أي أمريكا) تخيفهم مما تسميه النموذج الثيوقراطي، وتستخدم الوعيد والتهديد ضد الدول التي ترغب في التقرب مع دولة"خارجة عن القانون، تدعم الإرهاب وتصدر الأصولية المتطرفة وتسعى للتزود بالأسلحة المحرَّمة عن طريق التهريب والإغراء الموجه للجمهوريات وخصوصاً تجاه المهندسين النوويين المنتمين إلى المنطقة".

وللرد على ذلك فإن إيران تعتمد استراتيجية (17) تقوم على صيانة المثلث الاستراتيجي الأمن، الطاقة، القوة التسليحية؛ وتقديم صورة مغايرة للدعاية التركية الغربية والأمريكية أولاً من خلال عرض التطور السياسي الذي تشهده إيران بكونه يمثل نموذجاً للديمقراطية والمشاركة بعيداً عن الإملاءات الغربية وفي الوقت نفسه تقديم دورها في حل نزاعات آسيا الوسطى عربون حُسن نية، كما تعتمد إيران خطاً سياسياً يستند إلى الجيوبولتيك وليس دائماً إلى الأسبقيات العقائدية كما يدل على ذلك موقفها المدهش من حصار أذربيجان المسلمة لأرمينيا المسيحية حيث ساهمت في فك الحصار عن الثانية وهو عمل قدم دعاية مضادة للدعاية الغربية عن الطابع الأصولي المتطرف للسياسات الإيرانية.

كما أن إيران تدافع على وضعية البحر المشترك بالنسبة لقضية قزوين الذي تشاطئه دول أخرى؛ وهي موزعة بفعل موقعها الجغرافي المتميز بين أمن آسيا الوسطى والقوقاز وأمن الخليج،"لأن لإيران أيضاً منافع حيوية في الخليج، وبالتالي يتمتع بأهمية فائقة بالنسبة إليها، وإن أي نزاع يجري يبعث القلق في نفسها وتكمن أفضل صورة للخليج في نظر إيران، في جعله ممراً مائياً دولياًً لجميع البلدان" (18) .

ولعل هذا ما سيفتح الطريق جنباً إلى جنب مع دور إيران في آسيا الوسطى لبحث إمكانات ومحاولات استكشاف آفاق التطبيع بين أمريكا وإيران وهو ما تحاوله إدارة كلينتون منذ 1999م من خلال جملة من الإشارات قاعدتها"لقاء المصالح"بين الدولتين في كل من آسيا الوسطى والقوقاز من جهة وفي الخليج من جهة ثانية

ويمكن القول إن إيران فرضت وجودها كوسيط ولاعب أساسي في المنطقة، فهي لا تتدخل في الشؤون الداخلية لتلك الدول ولم تقدم مساعدات مادية أو لوجستيكية للحركات الإسلامية المقاتلة، يقول أحد زعماء حركة النهضة الإسلامية الطاجيكية:"سمعت كثيراً عن تورط إيران في حركة الإسلام السياسي في آسيا الوسطى ولكنني لم أعثر على أي علامة أو أثر مع الأسف، إن إيران ترفض عموماً التدخل في شؤون آسيا الوسطى" (19) وقد استفادت إيران من سلوكها هذا في تكثيف علاقاتها مع تركمانستان التي تجمعها بها علاقات إثنية وتاريخية فقد كانت أول سفارة فتحت لإيران في آسيا الوسطى في تركمانستان في حين لعبت إيران دوراً نشيطاً في أذربيجان لصد أي توجه طوراني.

إن الحديث عن خطر إسلامي أصولي تسانده إيران وينطلق من طاجيكستان هو عبارة عن"أسطورة تروجها أقلام غير قليلة من الكتاب والصحفيين على الرغم من الحقائق" (20) .

2 ـ باكستان:

إن الحلم الذي ظل يداعب أذهان ومخيلات صناع القرار في إسلام أباد ردحاً من الزمن دون تحقيقه يتمثل في"طريق الحرير بين الصين وآسيا الوسطى"ولعل هذا الحلم هو الذي يشكل قاعدة فهم التشبث المستميت بالدور الأساسي في الساحة الأفغانية ومن ثم كسب مفتاح الطريق ـ الحلم، لكن الفشل في حل الأزمة الأفغانية يعطل تحقيق هذا الحلم.

ويمكننا بعد هذا العرض أن نلخص مواقف الأطراف المعنية في النقاط التالية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت