فهرس الكتاب

الصفحة 454 من 27364

يرفض المسلمون الهجمة الأمريكية علي حرمات مقدساتهم وشاعت موجة كراهية عاتية للولايات المتحدة الأمريكية جعلت الأمريكان يتساءلون لماذا يكرهوننا، ومن ثم بدا للاستراتيجيين الأمريكان أن الوسيلة الأفضل لتطويع العالم الإسلامي هي دعاوى الإصلاح السياسية وليست الدينية، ومن ثم سمعنا عن تغيير النظم السياسية التي تراها أمريكا مستبدة وإشاعة قيم الديموقراطية بمفهومها الغربي في العالم الإسلامي، ومن خلال التعمق الأمريكي في فهم أحوال العالم الإسلامي ذهبت النخبة الاستراتيجية الأمريكية إلي أن الإصلاح السياسي في العالم الإسلامي والعربي لا يمكن بدون القوي الإسلامية باعتبارها التيار الرئيسي الجامح والفعال والمقبول جماهيريا لدي الناس، ومن هنا كانت فكرة الحوار مع الإسلاميين، بل وقبول وصولهم إلي السلطة في بلدانهم، لأن خطر استمرار النظم المستبدة القائمة هو أشد وطأة علي الأمن القومي الأمريكي من قبول الإسلاميين في السلطة، ومن هنا كانت دعوات أمريكا علي لسان أكبر المسئولين فيها للحوار مع الإسلاميين والقوي التي وصفتها بالاعتدال في العالم الإسلامي والعربي بحيث لا تهدد هذه القوي المصالح الأمريكية والغربية وتعترف وتقبل بقواعد اللعبة السياسية الديموقراطية، ويكاد هذا الموضوع يكون هو أهم القضايا المطروحة على أجندة السياسة العربية سواء بالنسبة للنظم السياسية أو الحركات الإسلامية المعتدلة، وهو ما يشير إلى أن العامل الإسلامي أصبح أحد أهم مدخلات تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية، وهنا تكمن المشكلة التي نود أن نشير إلي خطرها وهي أن السياسة الأمريكية تريد أن تورط الحركات الإسلامية في تنفيذ الأجندة الأمريكية عبر السماح لها بالمشاركة في السلطة أو حتى الانفراد بها، فبدلا من الاعتماد علي النظم العلمانية لماذا لا نجعل الإسلاميون هم أنفسهم الذين يقومون بتنفيذ المطالب الأمريكية أي بيد الإسلاميين نحارب الإسلام وهنا مكمن الخطر الكبير، بل الفتنة الكبيرة التي تنتظر الحركة الإسلامية، والمتابع لمجمل ما نشر من تقارير ودراسات غربية حول الظاهرة الإسلامية يلاحظ بوضوح محاولة نقل الصدام الحضاري داخل الحالة الإسلامية فبدلا من أن يكون الصراع بين الإسلام والغرب يكون الصراع والصدام داخل الحضارة الإسلامية ذاتها بل وداخل الحالة الإسلامية ومنذ كتاب الفرصة السانحة لريتشارد نيكسون"وهو منشور قبل أحداث سبتمبر نجد الحديث عن الإسلام التقليدي والإسلام السياسي والإسلام الأصولي والإسلام السلفي والإسلام المعتدل والإسلام المتشدد والجهادي، فهم يرون الظاهرة الإسلامية من منظور تفتيتها وتجزئتها وغرس عوامل الصراع والنزاع داخل أطرافها رغم أن الجميع يشملهم مفهوم الإسلام والجماعة والأمة طالما أنهم يلتزمون بقواعد الفهم للكتاب والسنة كما فهمها سلف هذه الأمة وخيرها وهم الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان، فالمحاولة الأمريكية الجديدة من الإصلاح والحوار مع الإسلاميين اليوم هي بغرض توريط الحركة الإسلامية ذاتها في تحقيق أهداف الأجندة الأمريكية ومن أجل بذر بذور الصراع والشقاق داخل الحالة الإسلامية، ومن ثم فالحركة الإسلامية تواجه لحظة خطر حقيقية نري أنها تفرض الوعي بالمخاطر الماحقة التي تجعل الهدف من الوجود الإسلامي لهذه الحركات في الميزان، فالحركة الإسلامية بالأساس هي حركة للأمة ومعبرة عن ضميرها ووجودها بالأساس قائم علي الدعوة إلي الدين الصحيح وتذكير الناس بالتمسك بدينهم"فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك علي صراط مستقيم"وحين يتعارض هذا المقصد الرئيسي مع الحوار الأمريكي أو حتى الوصول إلي السلطة فإن الحركة الإسلامية عليها التمسك بدعوتها ووظيفتها التي أعطتها شرعية وجودها"ولتكن منكم أمة يدعون إلي الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر"وقوله تعالي"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر"، ومن يقرأ تقرير مؤسسة راند يعرف كيف يفكر الأمريكيون تجاه الحركة الإسلامية وتجاه العالم الإسلامي، فاللحظة الحاضرة هي لحظة فتنة وخطر تستدعي أقصي روح من الوعي والتثبت والتثبيت"وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا"الإسراء: ( 74) "

معالم الخطر القادم:

موضوع بحثي للدكتوراه في العلوم السياسية هو تركيا وحزب الرفاه والدولة العثمانية ومن يحاول معرفة الخطر الذي تواجه الحركة الإسلامية من جراء دعوات الإصلاح الأمريكية عليه أن يقرأ بعمق محاولات الإصلاح في الدولة العثمانية وهو الإصلاح المؤسسي داخل الدولة للحاق بالغرب، ومن يتصفح ما جرى من تحولات داخل دولة الخلافة منذ أواخر القرن الثامن عشر كأنه يقرأ الحاضر، فمثلا علي سبيل المثال معظم وصفات الإصلاح التي قدمت للدولة العثمانية كانت تقدم من الفرنسيين في إطار الصراع الفرنسي مع بقية القوي الأوربية خاصة بريطانيا وروسيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت