فهرس الكتاب

الصفحة 4753 من 27364

لم نكن هنا نستعرض خطوات العلمانية بالتفصيل ، فسيأتى شئ من ذلك فيما بعد حين نتحدث عن علمانية السياسة وعلمانية الاقتصاد والاجتماع والعلم والأخلاق والفن .. ولكنا أردنا فقط أن نلفت النظر إلى حقيقة واقعة هى استمرار"الإنسان"فى الهبوط كلما أمعن في السير على الخط العلمانى .

وأيا تكن السباب التى أدت بأوروبا إلى العلمانية فهى كما قلنا من قبل تفسر العلمانية ولا تبررها ، ولا تبرر بالطبع نتائجها التى أدت إليها ، والتى بدأ المفكرون الغربيون أنفسهم يتنبهون إليها وينذرون نتائجها ، ولكن دون أن يعرجوا على السبب الحقيقى ولا العلاج الحقيقى !

ولئن كانت الكنيسة هى المعتدية على الملوك والعلماء في بادئ الأمر ، مما أسفر عن العداء بين الدين والسياسة وبين الدين والعلم ، فلم تكن هى المعتدية ولا المتسببة حين أقامت الثورة الصناعية اقتصادياتها على الربا ولجت فيه ، وحين سقطت"الأخلاق"واحدا إثر الآخر ن حتى الأخلاق التى أقرها"المفكرون الأحرار"فى مبدأ عهدهم يناصبون الكنيسة العداء ، ويبحثون عن مصدر آخر للقيم غير الدين !

إنما استمرأ القوم الفوضى الخلقية وأمعنوا فيها لا للدوافع القديمة التى دفعتهم للخروج على الدين أول مرة ، وكلن لأن هذه هى طبيعة السير على المنزلق .. كل خطوة تصبح أشد هبوطا من السابقة .. وهذه طبيعة الحياة حين يكف الناس عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .. يزداد المنكر وينتفش ويستفحل حتى يصبح هو الأصل ، أو حتى يصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . ومن أجل ذلك لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم:

{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) } [سورة المائدة 5/78-79]

ويجدر بنا الآن على أى حال أن نستعرض الصورة الراهنة للعلمانية في أوروبا في مجالات الحياة المختلفة ، لا على أنها الصورة الأخيرة التى ستقف عندها ! فهى لا تقف عند هذا الحد من السوء ، وإن لم يكن في وسع الخيال أن يتصور ما هو أسوأ ، ولكن لنقيس المسافة بين الأصل الذى كان ينبغى وبين ما وصلت إليه الأمور حين قال الإنسان لنفسه: لقد شب الإنسان عن الطوق ولم يعد في حاجة إلى وصاية الله !

(1) فى السياسة:

لم تكن السياسة من أول عهدها في الإمبراطورية الرومانية محكومة بالشريعة المنزلة من عند الله ، وإن وقعت لفترة من الوقت تحت سلطان البابوات ورجال الدين ، يفرضون على الملوك أن ينزلوا على إرادتهم على اعتبار أن إرادتهم من إرادة الله .

فقد بينا من قبل أن الفصل بين الدين والسياسة كان قائما من أول اعتناق الدولة الرومانية للمسيحية ، إذ اعتنقتها عقيدة فقط ، ولم تأخذ من الشريعة إلا ما يتعلق بالأحوال الشخصية ، وبقيت الأمور الجنائية والأمور المدنية وعلاقة الحاكم بالمحكوم وغيرها من شؤون الحياة الواقعة يحكمها القانون الرومانى ولا تحكمها الشريعة المنزلة في التوراة والمعدلة تعديلا جزئيا بالإنجيل:

{وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [سورة آل 3/50]

{وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (47) } [سورة المائدة 5/47]

ولكن الكنيسة مع رضاها بهذا الأمر - المخالف لأمر الله - في أيام ضعفها ، لم تحاول في أيام سلطانها وسطوتها أن تعود إلى الوضع الدينى الصحيح ، فتلزم الملوك والأباطرة أن يحكموا بما أنزل الله ، وهى تمارس عليهم من السلطان ملا يستطيعون معه مخالفتها أو الخروج على أمرها ، بل استغلت سلطانها في إخضاعهم لأهوائها الخاصة ، بينما تركتهم يحكمون بغير ما أنزل الله وهى راضية عنهم كل الرضا ماداموا يخضعون لأوامرها ، وهذا هو الذى تسميه أوروبا الحكم الدينى أو الثيوقراطى وما أبعده عن الدين !

صحيح أن إخضاع الكنيسة الملوك والأباطرة لأهوائها الذاتية كان يتم باسم الدين وتحت شعاراته ، ولكن هذا لا يكفى لاعتباره حكما دينيا ما دام لا يحكم بما أنزل الله . ولكن الحس الأوروبى المضطرب يخلط بين الدين ورجال الدين نتيجة اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله ، واعتبار أعمالهم وأقوالهم أعمالا دينية وأقوالا دينية ولو كانت بعيدة كل البعد عن حقيقة الدين !

مهما يكن من امر فقد استطاعت الكنيسة بنفوذها أن تجعل الملوك والأباطرة طوع إرادتها . وأعلن البابا"نقولا الأول" (858 - 867م) بيانا قال فيه:

"إن ابن الله أنشأ الكنيسة بأن جعل الرسول بطرس أول رئيس لها . وإن أساقفة روما ورثوا سلطات بطرس في تسلسل مستمر متصل .. (ولذلك) فإن البابا ممثل الله على ظهر الأرض يجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين ، حكاما كانوا أو محكومين".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت