فهرس الكتاب

الصفحة 4754 من 27364

وأعلن البابا جريجورى السابع (تولى البابوية 1073 - 1085) "أن الكنيسة بوصفها نظاما إلهيا خليقة بأن تكون صاحبة السلطة العالمية ، ومن حق البابا وواجبه - بصفته خليقة الله في أرضه - أن يخلع الملوك غير الصالحين وأن يؤيد أو يرفض اختيار البشر للحكام أو تنصيبهم حسب مقتضيات الأحوال"

ولم يكن ذلك كلاما في الهواء ، إنما كان واقعا عاشته أوروبا عدة قرون ..

وابرز الأمثلة التى يرويها التاريخ الأوروبى ما حدث بين"جريجورى السابع"هذا والإمبراطور الألمانى"هنرى الرابع"مما أشرنا إليه من قبل ،"إذ أن خلافا نشب بينهما حول مسألة"التعيينات"أو ما يسمى"التقليد العلمانى"فحاول الإمبراطور أن يخلع البابا ، ورد البابا بخلع الإمبراطور وإصدار قرار حرمان ضده ، كما أحل اتباعه وأمراء مملكته من ولائهم له وألبهم عليه . فعقد الأمراء مجمعا قرروا فيه أنه إذا لم يحصل الإمبراطور على المغفرة لدى وصول البابا إلى ألمانيا فإنه سيفقد عرشه إلى الأبد ، فوجد الإمبراطور نفسه مضطرا إلى استرضاء البابا ، ولم يستطع أن ينتظر حتى يصل البابا إلى ألمانيا ، فسافر إليه فى"كانوسا"وظل واقفا في الثلج في فناء القلعة ثلاثة أيام في لباس الرهبان متدثرا بالخيش حافى القدمين عارى الراس حتى تعطف عليه البابا ومنحه مغفرته !"

وفى بريطانيا حصل نزاع بينالملك"هنرى الثانى"وبين"توماس بكت"رئيس أساقفة كنتربرى بسبب دستور رسمه الملك يقضى على كثير من الحصانات التى يتمتع بها رجال الدين ، ثم إن رئيس الأساقفة اغتيل فثارت المسيحية على هنرى الثانى ثورة عنيفة ، فاعتزل الملك في حجرته ثلاثة أيام لا يذوق فيها الطعام ، ثم أصدر أمره بالقبض على القتلة وأعلن للبابا براءته من الجريمة وألغى الدستور ، ورد إلى الكنيسة كل حقوقها وأملاكها ومع ذلك لم يحصل على المغفرة حتى جاء إلى كنتربرى حاجا مظهرا ندمه ، وسار الأميال الثلاثة الأخيرة من الطريق على الحجر الصوان حافة القدمين حتى دميت قدماه ، ثم استلقى على الأرض أمام قبر رئس الأساقفة المقتول وطلب من الرهبان أن يضربوه بالسياط ، وتقبل ضرباتهم وتحمل كل الإهانات في سبيل استرضاء البابا واتباعه" (1) "

ولكن الملوك والأباطرة أخذوا آخر الأمر يتمردون على ذلك السلطان القاهر الذى تستذلهم به الكنيسة ، ويطالبون"بالسلطة الزمنية"خالصة لهم على أن تقتصر الكنيسة على السلطة الروحية فحسب ، وكان مستندهم في ذلك نظرية الحق الآلهى المقدس .

يقول رندال (ج 1 - ص 277 من الترجمة العربية لكتاب"تكوين العقل الحديث") :

"نشأت نظرية الحق الالهى للملوك في أول عهدها كمحاولة لتحرير الحكومة المدنية ، أو العلمانية من رقابة البابا والكهنة . كما أنها كانت ردا على دعواه أن له حقها إلهيا في السيطرة على الأمور الزمنية".

ونظرية الحق الالهى تستند بدورها إلى نظرية رومانية قديمة تعرف بنظرية العقد الاجتماعى .

يقول راندال (ج 1 - ص 281 من الترجمة العربية من المصدر السابق) :

"تعود أصول فكرة العقد الاجتماعى إلى الفكر الرومانى وفكر القرون الوسطى معا . وقد كانت الإمبراطورية الرومانية - كما ضمنت في مجلة الحقوق المدنية - على القول بأن كل السلطة وكل حق في وضع القوانين يعودان للشعب الرومانى ، غير أن الشعب تنازل بموجب قانون شهير عن هذه الحقوق للإمبراطور ، وهو تفسير طبيعى لمجرى التاريخ الرومانى ، فجميع حقوق الشعب الرومانى وجميع سلطاته انتقت إلى الإمبراطور ، وله وحده حق"إصدار"القوانين وحق تفسيرها . وعندما تم إحياء القانون الرومانى في القرون الوسطى ، انتبه الإمبراطور إلى هذه النظرية واتخذها سلاحا ضد سيطرة الكنيسة ، ثم تبعه في ذلك جميع الأمراء . وهكذا نشأت نظرية العقد الاجتماعى القائلة بأن كل سلطة مدنية ترتكز في أساسها على الشعب ، وأن الشعب قد حولها إلى الحاكم ليمكنه من القيام ببعض الوظائف الضرورية . ومن الواضح أنها نظرية ذات حدين .. فقد تفسر لتأكيد سلطة الحاكم الشاملة باعتباره مصدر جميع السلطات ، أو لتأكيد سيادة الشعب الأساسية باعتباره المصدر الأخير لتلك السلطة .."

وكان"مكيافيللى"و"هوبز"من أشهر المدافعين عن الحق الالهى المقدس ، وعن استبدادية الحكام .

ويهمنا مكيافيللىهنا أكثر ، لأنه علم على اتجاه معين في السياسة الأوروبية نلحظ آثاره بشدة في أوروبا العلمانية المعاصرة .

(1) ""عن كتاب"قصة الحضارة"لول يورانت ترجمة محمد بدران ، ج 15 - ص 194 ، 197 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت