فهرس الكتاب

الصفحة 4757 من 27364

ولكن الناس حين خرجوا من الدين على خط العلمانية لم يستبدلوا بالإقطاع ما هو خير منه ، سواء في الرأسمالية أو الشيوعية ، بل ظلوا ينتقلون من جاهلية إلى جاهلية حتى هذه اللحظة ، وكلما حاولوا أن يصلحوا الظلم جاءوا بظلم جديد . وهذا هو شأن البشر دائما حين يشرعون لأنفسهم ويرفضون الهدى الربانى ، ينقسمون أولا إلى سادة وعبيد ، سادة في أيديهم المال والسلطان ، يشرعون ، وحين يشرعون فإنهم يضعون القوانين التى تضمن مصلحتهم وتسخر الآخرين لهم ، وعبيد ليس في أيديهم مال ولا سلطان ، فلا يشرعون ، إنما يقع عليهم ما يضعه السادة من تشريعات ، ويسخرون - رضوا أم أبوا - لمصلحة أصحاب السلطان .. ومن جهة أخرى يصيبهم الخبل والاضطراب والتخبط نتيجة القصور البشرى والجهل البشرى والعجز عن الإحاطة والعجز عن رؤية المستقبل الذى ينبنى على الحاضر ، نعم ، ولكنه مع ذلك غيب لا يمكن التنبؤ به عن يقين .

ولم يكن الإقطاع - كما أسلفنا - نظاما ربانيا ، ولا كانت فيه ذرة من عدل .. ولكن النفوذ الذى كان للدين على القلوب - مع كل ما كان في ذلك الدين من تحريفات ، وفى أهله من فساد - كانت له جملة من الآثار في أهل الريف الأووربى الذى يعيش في ظل الإقطاع . فمن جهة كان عند الناس"أخلاق"يتعاملون بها ، مستمدة من تعاليم ذلك الدين ، وكانت هذه الأخلاق أبرز ما تكون في قضية العفة الجنسية وقدسية الرباط المقدس بين الزوجين ، وكانت كذلك تشمل حسن الجوار وترابط أفراد المجتمع عن طريق التزاور والمجاملات الاجتماعية ، ومن جهة أخرى كان في نفوس الناس رضى وقناعة تجعل الحمل العصبى الذى يعانونه محتملا في النهاية رغم سوء الأحوال الاقتصادية إلى أقصى حد .. وما بنا أن ندافع عن الظلم المتمثل في الإقطاع ، ولا حتى عن الرضى الذليل الذى كانت الكنيسة تطلبه من الفلاحين مقابل الوعد بنعيم الآخرة ، فإن الدين الصحيح يطلب من الناس أن يثوروا على مثل ذلك الظلم ويصححوه بتحكيم شريعة الله . ولكنا نقرر واقعا تاريخيا كان قائما بالفعل بخطئه وصوابه ، لنقيس به الواقع التاريخى الذى تلاه على خط العلمانية حين خرج الناس من نفوذ ذلك الدين .. فقد بقى الظلم - من يحث المبدأ - كما هو ، ولكن ذهبت الأخلاق ، وذهب الرضى من نفوس الناس ! واصبح الحمل العصبى الذى يعانونه أبشع من أن يطاق ! فانتشر الجنون والقلق والانتحار والحالات العصبية والنفسية وإدمان الخمر والمخدرات والجريمة ..

لم تكن"المكيافيللية"فى الحقيقة مقصورة على عالم السياسة . إنما كانت دينا جديدا حل محل الدين المخلوع ! الغاية تبرر الوسيلة . لا في السياسة فقط ، ولكن في الاقتصاد والاجتماع كذلك .. بل في كل شئ تدخل فيه الوسائل والغايات ..

يقول"سول"فى كتاب"المذاهب الاقتصادية الكبرى" (ترجمة الدكتور راشد البراوى ، ص 50 - 51 من الترجمة العربية) عن الفترة التى نبذ فيها الدين ولكن ظلت بقايا القيم - قبل اندثارها - يبحث الناس لها عند سند غير الدين:

"سيطرت فكرة الآخرة على المذاهب السائدة خلال العصور الوسطى وإن لم تسيطر على العادات والتقاليد ، والمجال الدنيوى بما فيه الحياة الإنسانية نفسها ليس سوى مكان يستعد فيه الناس للحياة بعد الموت بما يشتمل عليه من ثواب وعقاب ، فكان على المرء أن يتحمل الألم وهو عالم أنه ليس إا مقدمة لما يتوقع في حياة مستقبلية .. أما الدافع الفكرى على تقويم العادات الاجتماعية أو زيادة الرفاهية الدنيوية فكان ضئيلا ، اللهم إلا من حيث الفائدة الروحية التى يمكن اجتناؤها ."

"والآن تحول الاهتمام فأصبح محصورا في تحسين الحياة على الأرض ، وكشفت العلوم والمخترعات عن إمكانيات الأرض لذاتها ، لقد كانت المكاسب المادية ظاهرة في كل شئ ، وكان لا حد لها من يحث وجود أساليب أفضل وأيسر لإنتاج الأشياء ، وسرت روح المغامرة ."

"وهنا برز السؤال التالى: أليس في وسع الفلسفة أن تعالج النظم البشرية بنفس الطريقة التى تدرس بها الأشياء المادية ؟"

"وكان الجواب بالإمكان . ذلك أن المطلوب إنما هو تطبيق العقل على الأساليب التى يستخدمها الناس كيما يعيشوا (فى الأصل: كيما يعيشون) معا ، وراح الكثيرون يصوغون الخطط والمشروعات التى تكفل قيام الحياة المثالية أو اليوتوبيا ."

"وصار لزاما على الذين نبذوا الإيمان باله كلية أن يبحثوا عن بديل لذلك ، ووجدوه في الطبيعة .. أما الذين ظلوا على استمساكهم بالدين ولو باللسان - وإن لم يكن في الواقع كما هو أغلبهم - فقد اعتقدوا أن الله يعبر عن إرادته عن طريق الطبيعة وقوانينها وليس بوسيلة مباشرة . وبذلك لم تعد الطبيعة مجرد شئ له وجود فحسب ، وإنما هو شئ ينبغى أن يطاع ، وصارت مخالفتها دليلا على نقص في التقوى والأخلاق".

ويقول راندال في كتاب"تكوين العقل الحديث" (ج 2 ، ص 468 من الترجمة العربية) عن الفترة التالية التى تم فيها الانسلاخ من القيم كلها بعد فقدان معينها الحقيقى وهو الدين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت