"هكذا كان العلم (يقصد علم الاقتصاد السياسى) يبدو في الظاهر محاولة مجردة عن المصلحة ، للوصول إلى فيزياء اجتماعية للثورة ، لكنه كان في الحقيقة تبريرا منظما للمطالب التى تهدف إلى زيادة حرية جمع المال وتستعين بالعلوم الجديدة البشرية والطبيعية"
ويقول"روبرت داونز"فى كتاب"كتب غيرت وجه العالم" (ترجمة أحمد صادق وزميله ، ص 73 من الترجمة العربية) :
"النظرية الأساسية في كتاب ثروة الأمم" (1) "نظرية ذات نزعة مكيافللية ، وهى أن العامل الأول في نشاط الإنسان هو المصلحة الشخصية ، وأن العمل على جمع الثروة ما هو إلا مظهر من مظاهرها . وبذلك قرر أن الأنانية والمصلحة الشخصية تكمن وراء كل نشاط للجنس البشرى . وصارح الناس باعتقاده أنها ليست صفات ممقوتة يجب الابتعاد عنها ، وإنما هى على العكس عوامل تحمل الخير إلى المجتمع برمته . وفى رأيه انه إذا أريد توفير الرفاهية للأمة فلابد من ترك كل فد يستغل أقصى إمكانياته لتحسين مركزه بشكل ثابت منظم دون تقيد بأى قيود . فللحصول على غذائنا لا نعتمد على كرم الخمار" (2) "أو الخباز أو الجزار ، وإنما هم يقدمونه لنا بدافع من مصلحتهم الشخصية ، وإنا عندما نخاطبهم لا نتجه إلى ما فيهم من دوافع إنسانية ، وإنما نتجه إلى مصلحتهم المادية ، ولا نكلمهم عن احتياجاتنا ، بل عما يعود عليهم من نفع وفائدة".
هذه الصورة المادية البحتة هى التى شكلت روح الرأسمالية ورسمت سمات الحياة في ظلها ، ففقد الناس آدميتهم بالفعل وصاروا إلى ذلك المسخ الذى يعيش اليوم في الغرب الرأسمالى .
ينقل كنث لن في كتابه"تطور المجتمع الأمريكى" (ترجمة نعيم موسى - ص 112 من الترجمة العربية) من كلام جروج فيتزهيو ، أحد الذين ساءهم وضع الرأسمالية في نهاية القرن الماضى ما يلى:
"إننا جميعا في الشمال والجنوب نعمل في تجارة الرقيق الأبيض . وبقدر نجاح الشخص فيها يزداد احترامه .. وهذه التجارة أشد قسوة من تجارة الرقيق الأسود لأنها تفرض المزيد من العمل على عبيدها .. وفى الوقت الذى لا تحميهم فيه ولا تسوسهم برفق تفاخر بأنها تفرض المزيد (أى من العمل) .."
"نعم إنه (أى العامل) بعد انتهاء عمل اليوم يصبح حرا ، إلا أنه يظل يرزح تحت عبء العناية بعائلته وبيته ، مما يجعل حريته سخرية جوفاء باطلة ، في حين يبقى رب العمل حرا بالفعل ، ويستطيع أن يتمتع بالأرباح التى جناها من عمل الآخرين دون اهتمام بمصلحتهم ورفاهيتهم".
أما ما تلا تلك الفترة حتى اليوم في العالم الرأسمالى فمعروف لا يحتاج إلى بيان .. ففوارق الدخل بين العمال وأصحاب رؤوس الأموال فوارق بشعة إلى حد مذهل .. ولا يأتى هذا الربح المتضخم - كما أسلفنا في فصل الديمقراطية - إلا من الوسائل الخسيسة التى تستخدمها الرأسمالية لتحقيق غاياتها الخسيسة ، وكلها محرم في دين الله:
(1) الربا ..
(2) أكل مال الأجير وعدم توفيته حقه ..
(3) إفساد فطر الناس وأخلاقهم ليقبلوا على منتجات ليس فيها فائدة حقيقية لهم ، ولكنها تدر على الرأسماليين أرباحا طائلة لا تدرها المنتجات الجادة التى يحتاج إليها الناس حقا في حياتهم النظيفة المستقيمة .
(4) وأخيرا الاحتكار ..
والنتيجة الأخيرة التى تحققها الرأسمالية العلمانية من طرفيها المتمثلين في أصحاب رؤوس الأموال والعمال ، هى الفساد الخلقى الفاحش ، والقلق العصبى الذى يؤدى إلى الانتحار والجنون والخمر والمخدرات والجريمة وتفكك الأسرة وتشريد الأطفال والهبوط المستمر بالإنسان إلى عالم الآلة وعالم الحيوان ..
أما الشيوعية فربما كانت أسوأ بديل عرفته البشرية إلى اليوم ..
حقيقة إن الشيوعية هى النظام الجاهلى الوحيد - حتى اليوم - الذى فرض على الدولة كفالة كل فرد يعيش في ظلها ، ولكن ذلك - كما أسلفنا - لم يكن كرما إنسانيا منها ، فهى تأخذ مقابل ذلك الجهد الفرد كله ، و"من لا يعمل لا يأكل"على الحقيقة لا على المجاز . ثم إن الدولة تستذل الناس بلقمة الخبز على نحو غير مسبوق في كل النظم التى مرت بها الجاهلية البشرية على الأقل في التاريخ الحديث .
وربما كان من الحق أن الناس كانوا دائما في جاهليات التاريخ مستذلين بلقمة الخبز ، يبيعون مقابلها بعض كرامتهم أو كلها ، وبعض إنسانيتهم أو كلها .. ولكن النظام البوليسى الصارم الذى يحكم الناس بالحديد والنار والتجسس ، ويمنع الناس بالرعب و الإرهاب أن يفتحوا أفواههم بكلمة نقد واحدة ضد الدولة أو الزعيم المقدس أو المذهب أو النظام .. إنه ليفرض على الناس - مقابل لقمة الخبز - قدرا من الذل ومن ضياع الكرامة الإنسانية لا مثيل له - في نوعه ودرجته - في كل النظم التى تزعم أنها نظم"حضارية"على مدار التاريخ !
(1) ""كتاب ثروة الأمم هو من تأليف"آدم سميث"فيلسوف الرأسمالية وإمامها الفكرى وقد كان له دوى هائل في الغرب .
(2) ""لاحظ أثر الجاهلية في اعتبار الخمار واحدا من مقدمى الغذاء .. بل في مقدمتهم !