فهرس الكتاب

الصفحة 4760 من 27364

وطالبت بالمساواة الكاملة مع الرجل فرفضت أن يكون قيما عليها لأن القوامة لا تصلح بين الأنداد !

واشتغلت ، فانشغلت عن مهمتها الأولى في تربية النشء ..

وتفككت الأسرة وانحل البيت وتشرد الأطفال ، وتكونت منهم عصابات جانحة ترتكب الجرائم لمجرد سد الفراغ .

وانحلت روابط المجتمع فصار كل إنسان يعيش وحده .. حتى الأسرة .. الزوج له عمله ومغامراته ، والزوجة لها عملها ومغامراتها .. والأولاد يغادرون البيت في سن معينة ولا يعودون بعد ذلك ، ولا يربطهم بالأب والأم رباط ، إلا زيارات خاطفة في مناسبات متباعدة في أحسن الأحوال .. ويكبر الأبوان في تلك العزلة الباردة فلا يجدان من يطرق عليهما الباب .. فينشدان سلواهما في الكلاب !

وانتشر الشذوذ لأسباب كثيرة ، من بينها - كما يقولون هم بأفواههم - رفض المرأة للقوامة وضياع سيطرة الأب ..

وفى جانب آخر من الأرض قامت"فلسفة"بشرية مغايرة ، وإن كانت تشترك مع سابقتها في كثير من السمات !

تشترك معها في إخراج المرأة من البيت وشغلها عن الأسرة والأولاد .

وتشترك معها في تحطيم كيان الأسرة ..

وتشترك معها في حل روابط المجتمع ..

ولكنها تختلف عنها في الطريقة !

فى الأولى يتم تحطيم المجتمع عن طريق تضخيم الفرد وجعله هو الأساس . فيتحطم المجتمع نتيجة المبالغة في إحساس الفرد بذاتيته الزائدة عن الحد .

وأما الثانية فتجعل المجموع هو الأساس إلا الفرد ، فتسحق الفرد من أجل المجموع ، ثم تعود فتحطم المجتمع نتيجة تحويله إلى مجموعة من الأصفار كل منهم بلا مشاعر ولا كيان !

(4) فى العلم:

بدأ الصراع بين الدين والعلم حين هاجمت الكنيسة العلماء الذين قالوا بكروية الأرض وهددتهم بالحرق أحياء في الأفران .. وكانت الكنيسة هى المعتدية بلا شك ، وكانت حماقة شنيعة منها أن تقف هذا الموقف من أمور علمية بحتة ، يخطئ العلماء فيها أو يصيبون ولكنها تظل في دائرة العلم لا يتدخل فيها"رجال الدين"لأن الدين الصحيح لم يحرم البحث العلمى ، وإنما لفت نظر البشر إلى آيات الله في الكون ، وقال لهم تفكروا فيها وتدبروا لتعرفوا قدرة الخالق العظيم ، دون أن يقيدهم بنظرية معينة في تفسير ظواهر الكون ، بل ترك ذلك للعقل البشرى يحاول فيه بقدر ما يطيق ..

ولكن الاحتجاج بحماقة الكنيسة لفصل الدين عن العلم أو بذر بذور العداء بين الدين والعلم كان في ذاته حماقة أشد !

فلتكن الكنيسة حمقاء بقدر ما تكون .. ولكن الفطرة السوية لا تفصل بين الدين والعلم ، لأن كلا منهما نزعة فطرية سوية لازمة للكيان البشرى ، ولازمة لمهمة الخلافة التى وجد الإنسان من أجلها في الأرض .

الإنسان عابد بطبعه ، راغب في المعرفة بطبعه ..

ولا تعارض في الفطرة السوية بين نزعة العبادة ونزعة المعرفة ، ولا بين الإيمان بالغيب والإيمان بما تدركه الحواس .

ولقد خلق الله الإنسان ليعبده:

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56) } [سورة الذاريات 51/56]

وجعل من بين العبادة عمارة الأرض:

{هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [سورة هود 11/61]

{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} [سورة الملك 67/15]

وجعل من الأدوات المعينة على عمارة الأرض العلم النظرى في صورة"معلومات"عن الكون ، والعلم التطبيقى في صورة تسخير طاقات السماوات والأرض للإنسان .

{الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) } [سورة العلق 96/4-5]

{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً (12) } [سورة الإسراء 17/12]

{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} [سورة الجاثية 45/13]

ومن هنا يكون العلم ذاته جزءا من العبادة المطلوبة من الإنسان ، يستوى في ذلك العلم بأمور الدنيا والعلم بأمور الدين ، فإن عمارة الأرض بمقتضى المنهج الربانى تحتاج إلى هذا العلم وذاك .. العلم الدنيوى من أجل العمارة المادية . والعلم الدينى لجعل هذه العمارة المادية مستقيمة على المنهج الربانى ، وتلك هى الخلافة الراشدة المطلوبة من الإنسان .

من أجل ذلك لا يوجد في الدين الصحيح ولا في الفطرة السوية تعارض ولا تنازع ولا خصومة بين الدين والعلم ! إنما تعمل نزعة العبادة ونزعة المعرفة في تناسق كامل في النفس السوية دون قلق ولا حرج ولا تصادم ولا نزاع ..

وكذلك قامت الحركة العلمية الهائلة التى قامت في العالم الإسلامى في ظل العقيدة ، بل بدافع من العقيدة ! فمن المعلوم من التاريخ أن المسلمين لم يصبحوا أمة علم إلا بعد أن دخلوا في الإسلام !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت