فهرس الكتاب

الصفحة 4762 من 27364

وكما يستخدم العلم الزائف لنشر الإلحاد تستخدم ثمار العلم لإفساد الأخلاق . وأوضح الأمثلة على ذلك حبوب منع الحمل التىي قول الأطباء"الأمناء"- وقليل ما هم - إنها ليست مأمونة تماما ، وإنها قد تسبب أضرارا خطيرة ن وإنها ينبغى ألا تستخدم إلا بإشراف الطبيب .. هذه الحبوب تباع في الصيدليات بسعر منخفض يكاد يساوى سعر التكلفة ، ويباع لأى فتاة تطلبه - وتكرره - دون تذكرة طبية .. لأنها - كما لا يخفى - أداة جبارة لنشر الفاحشة في الأرض ، لأن الفتاة التى تستطيع أن تأمن نتائج اتصالاتها الجنسية غير المشروعة أيسر انزلاقا من التى تخشى حدوث المتاعب من هذه الاتصالات .

وذلك فضلا عن صرف جهود كثيرة في أبحاث"علمية"بقصد اختراع المدمرات البشعة بغير موجب حقيقى ، فقد كان انتصار بعض البشر على بعض ممكنا بغير كل تلك البشاعة في أدوات التدمير .." (1) "

وهذا الشر العميق كله قد نشأ من"علمانية"العلم .. أى من ذلك المبدأ الملوث الشرير: مبدأ فصل الدين عن الحياة ..

(5) الأخلاق:

ربما لم يكن هناك مجال تأثر بالعلمانية بقدر ما تأثرت الأخلاق ..

ذلك أن الدين هو المنبع الطبيعى للأخلاق ، فإذا جفف هذا المنبع أو جف بسبب من الأسباب فلابد أن يتبعه حتما انهيار تدريجى في الأخلاق ينتهى إلى"اللاأخلاق".

ولقد كانت"النهضة"فى أول عهدها تعتقد - ربما بإخلاص وحسن نية - أن في إمكانها أن تجد للأخلاق منبعا آخر غير الدين .. من الطبيعة أو من النفس البشرية أو من أى مكان آخر .. والواقع أنهم كانوا في أول مرحلة الفساد ، فكانوا هم أنفسهم لا يتصورون أن البشرية يمكن أن تعيش بلا أخلاق ، أو أنه سيأتى وقت عليها تكون عارية من الأخلاق . فكان المشكل بالنسبة لهم هو محاولة البحث عن منبع للأخلاق غير الدين ، حتى لا تتخذ تلك ثغرة يهاجمون منها من قبل ذوى الغيرة على الأخلاق وهم يومئذ غير قليل .. ولكن المنبع البديل - أيا كان هو - قد أثبت عجزه عن إنبات القيم التى يحتاج إليها الإنسان في حياته ، ككل التصورات التى تخطر في بال الفلاسفة ولا تتعدى أذهانهم إلى واقع الحياة !

ثم جاءت أجيال أكثر علمانية من السابقة ، لأنها كانت قد بعدت أكثر عن المنبع الحقيقى للقيم ، فبدأت تناقش مبدأ القيم ذاته: هل هى ضرورية حقا للحياة البشرية ؟ وهل هى حقائق واقعية أم مجرد مثل خيالية معلقة في الفضاء غير قابلة للتطبيق ؟ وإذن فلماذا لا نكون"واقعيين"ونتعامل مع الواقع البشرى كما هو ؟ أى بغير مثل وبغير قيم ؟!

وكانت هذه بداية موجة جديدة من الانحدار على المنزلق .. فإننا إذا سلمنا بالواقع الموجود اليوم على أنه هو الواقع الذى لا يمكن أن يوجد أفضل منه ، فما الذى يمنع هذا الواقع أن ينحدر غدا إلى هوة جديدة ، ثم ما الذى يمنعنا من مجاراته في الهبوط بحجة الواقعية ؟!

إن الذى يمنع من هذا شئ واحد ، هو وجود القيم الأصيلة التى نقيس إليها أفعالنا ومستوانا ، لنعرف على ضوئها أهابطون نحن أم مرتفعون .. فإذا وجدنا أننا هبطنا حاولنا أن نوقف هبوطنا ونصعد من جديد .. أما في غياب الميزان فما المعيار ؟ إن الواقعية ليست معيارا يقاس إليه أى شئ ، ما دامت تعتبر الواقع هو المقياس ! والناس إذا أفلتت أيديهم من خيط الصعود الذى يشدهم إلى أعلى فلابد أن تهبط بهم ثقلة الشهوات وجواذب الأرض فيزداد واقعهم هبوطا على الدوام .. وما دام معيارنا هو الواقع ، فسيظل المعيار ذاته يهبط مع هبوط الإنسان ! ونظل نحن - بحجة الواقعية - نتابع الهبوط .

لقد كان القرن التاسع عشر"واقعيا"فنبذ القيم التى سماها مثالية - بمعنى غير واقعية - واعتبرها ترفا عقليا لا تطيقه طبيعة الحياة ..

وكانت نتيجة ذلك هى القرن العشرين ! قرن التفلت من القيود كلها ، والهبوط إلى الحمأة التى يستعفف عنها الحيوان !

وذلك أمر معروف من التاريخ وإن جادلت فيه الجاهلية المعاصرة ، وهى ليست أول جاهلية تجادل في الحق وتنكر البديهيات ! إن أى جيل من أجيال البشرية أنكر القيم الإنسانية لم يقف حيث كان يوم أنكرها ، إنما ازداد هبوطا .. حتى أدركه الدمار !

ولنستعرض خط العلمانية مع الأخلاق من أوله لنعلم مدى الهبوط ..

ولنبدأ بالمفهوم الحقيقى للأخلاق ، الذى كانت تؤمن به أوروبا ذات يوم ثم ظلت تتخلى عنه خطوة خطوة وهى تسير مع الشيطان .

إن الأخلاق"ميثاق"شامل .. يشمل كل أعمال الإنسان .

(1) ""حدث فيما بين صدور الطبعة الأولى والطبعة الثانية من الكتاب حادث انفجار المفاعل النووى الروسى ، الذى تسربت منه الإشعاعات المدمرة . وتعرض لخطرها ملايين من البشر في أوروبا . وهم في حالة"سلم"لا حرب !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت