فهرس الكتاب

الصفحة 4763 من 27364

{إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) } [سورة الرعد 13/19-22]

والميثاق هو أصلا ميثاق مع الله ، تتفرع منه وتندرج تحته جميع المواثيق:

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [سورة النساء 4/58]

وأول الأمانات هى الأمانة المؤداة إلى الله ، ثم تأتى بعدها جميع الأمانات التى أبرز سياق الآية منها الحكم بين الناس بالعدل ..

وعلى هذا الأساس يكون للسياسة أخلاق ، وللاقتصاد أخلاق ، وللاجتماع أخلاق ، وللعلم أخلاق ، ولكل شئ على الإطلاق أخلاق .. ولا يكون هناك شئ واحد في حياة الإنسان بلا أخلاق ..

ومنشأ الأخلاق ليس هو الفرض من الخارج . في صورة أوامر ونواه وزواجر من عند الله أو من عند غيره ، إنما الله سبحانه وتعالى هو الذى يحدد ما هو حلال وما هو حرام ، وما هو حسن وما هو قبيح ، وما هو خير وما هو شر .. الخ فيتبعه المؤمنون التزاما بما أنزل الله ، وأما غير المؤمنين فيستمدون ذلك كله من عند غير الله . وفى الحالين لا يكون هذا هو منشأ"الأخلاق"عند هؤلاء وهؤلاء .. إنما يكون فقط هو منشأ"المعايير"التى تضبط الأخلاق .

إنما تنشأ الأخلاق - كما قلنا منق بل في أكثر من موضع في الفصول السابقة - من طبيعة الإنسان ذاته ، ومن أن له طريقين ، وأن له القدرة على التمييز والاختيار بين الطريقين:

{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) } [سورة الشمس 91/7-10]

ومن ثم فالقيمة الخلقية لاصقة بأعمال الإنسان بحكم طبيعته .. وإنما تختلف القيم باختلاف واضعها: هل هو اله أم هم البشر . فإن كانت من عند الله فهذه هى القيم الحقيقية الصالحة ، لأنها من عند خالق الإنسان العليم به وبما يصلح له وما يصلحه:

{أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) } [سورة الملك 67/14]

وإن كانت من عند البشر فهى عرضة للأهواء وعرضة للاختلاف من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار . وتاريخ البشرية في جاهليتها هو الدليل ، يستوى في ذلك أن يكون الجاهليون من الفلاسفة أو من عامة الناس !

ولقد كان هذا كله واضحا لأوروبا المسيحية في الفترة التى سيطر فيها الدين على قلوب الناس ، بصرف النظر عما في ذلك الدين الكنسى من انحرافات .. فقد سبق أن قلنا إن وجود الانحراف والتحريف فيه لم يمنع وجود بعض الحقائق لأنهم كما يقول الله عنهم:"فنسوا حظا مما ذكروا به"وبقى مما ذكروا به بعض أشياء .. وكانت القيم الخلقية من بعض هذه الأشياء .

ثم زحفت العلمانية شيئا فشيئا على الحياة الأوروبية فأقصت الدين عن الحياة بقدر ما تمكنت هى من الحياة .. ومع إقصاء الدين أقصيت الأخلاق ، لأنها أصلا مستمدة من الدين .

وأول مجال أزيحت الأخلاق عنه هو مجال السياسة منذ قال مكيافيللى: إن الغاية تبرر الوسيلة .. ومعناها بصريح العبارة إسقاط الأخلاق من مجال السياسة ، وممارسة السياسة بلا أخلاق !

ثم أزيحت الأخلاق من المجال الاقتصادى منذ الثورة الصناعية بتحليل الربا ، وتحليل الغش والخداع والكذب وسرقة أجر الأجير وشغل الناس بتوافه الأشياء من أجل الربح ، وتحليل شن الحروب والاستعمار من أجل إيجاد أسواق لتصريف البضائع .. إلى آخر ما قامت به الرأسمالية من حيل غير شريفة للاستزادة من المال على حساب البشرية .

ثم أزيحت الأخلاق من مجال العلم ، فلم يعد هدف العلم البحث عن الحقيقة المجردة - له - إنما صارت تصاحبه المصالح والأهواء والشهوات التى أسلفنا نماذج منها في إبعاد اسم الله عمدا من البحث العمى مع وضع بديل مزيف هو الطبيعة ، لا لأن هذه حقيقة ولكن لأنها تخدم هدفا معينا في معركة معينة بين العلماء وبين الكنيسة ! ومن نشر أبحاث كاذبة بقصد نشر الإلحاد . ومن استخدام ثمار العلم لإفساد الأخلاق .. وغير ذلك مما كان مستحيلا أن يحدث في ظل سيطرة الدين على مشاعر الناس ، ومن ثم التزامهم بأخلاقيات الدين .. ولكنه يحدث بسهولة في ظل العلمانية التى تفاخر بإقصاء الدين عن كل مجالات الحياة !

ثم أزيحت الأخلاق من مجال الفكر . فلم يعد يحس المفكر أنه ملتزم بأمانة معينة هى في أصلها الأمانة المؤداة إلى الله .. فحفلت وسائل الإعلام جميعا من أول لكتاب إلى التليفزيون ، مرورا بالصحيفة والمسرح والسينما والإذاعة ، بكل صنوف التضليل والكذب والخداع والغش وإفساد العقيدة وإفساد الأخلاق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت