فهرس الكتاب

الصفحة 4764 من 27364

ثم أزيحت من مجال العلاقات الجنسية بصفة خاصة - وهى أدق مجالات الأخلاق - فقيل إن الجنس مسألة"بيولوجية"لا علاقة لها بالأخلاق ! أى مسألة ذكر وأنثى يجرى بينهما ما يجرى بين الذكر والأنثى .. بلا قيود ولا أخلاق ولا ضبط ولا تصعيد .. وكانت الحمأة الدنسة التى تردت فيها البشرية ، وكان السعار الجنسى المجنون الذى لا يشبع ولا يرتوى ولا يفيق ..

وأخيرا أفرغت الأخلاق ذاتها من مضمونها حين قبل إنه ليس لها وجود ذاتى ، إنما هى انعكاس للأوضاع المادية والاقتصادية ، أو إنها من مصنع العقل الجمعى وإنها تتغير على الدوام ولا تثبت على حال !

وسقط"الإنسان"بسقوط الأخلاق !

(6) فى الفن:

كان الفن في أوروبا في فترة الجاهلية الكنسية فنا دينيا بمعنى أنه موجه لخدمة الدين ، وكان يحمل كل ما في العقيدة الكنسية من انحراف ، إذ كان كله موجها لتمجيد"الرب"الذى ألهته الكنسية وهو المسيح عيسى بن مريم ، أو تمجدي الأقانيم الثلاثة عامة: الأب والابن وروح القديس ، مع مريم البتول ومجموعة من القديسين .. سواء بالشعر أو النثر أو الرسم أو التصوير (بمعنى إقامة التماثيل) .

وقد لاحظت في كتاب"جاهلية القرن العشرين"ملاحظة خاصة بالفن الأوروبى ، وقلت إنها معروضة للدراسة لمن أراد أن يدرس ، تلك هى أن الفن الأوروبى في جميع أدواره التاريخية كان مشغولا بالمعبود .. فحين كان المعبود في الجاهلية الإغريقية مجموعة من الآلهة المختلفة توجه الفن الإغريقى إلى تلك الآلهة سواء في الأساطير أو المسرحيات أو التماثيل . وحين انتقلت أوروبا إلى المسيحية عنى الفن بالإله كما صورته الكنيسة ، وحين كفرت أوروبا بإله الكنيسة وألهت الطبيعة اتجه الفن إلى المعبود الجديد وخاصة في الفترة الرومانسية ، وحين صار المعبود هو"الإنسان"اتجه الفن كله إلى دراسة الإنسان في جميع أوضاعه .

واليوم صارت المعبودات فوضى ، وتمثلت الفوضى كذلك في الفن الأوروبى الحديث !

وهذه نقطة فنية على أى حال ليس مجالها التفصيلى في هذا الكتاب إنما ينبغى أن تدرس دراسة نقدية متخصصة .

ثم إنى ألفت كتابا كاملا هو"منهج الفن الإسلامى"لأبين العلاقة بين الفن الصحيح والدين الصحيح ، وكيف تكون مجالات الفن الملتزم بالدين ، وكيف أن ارتباط الفن بالدين لا يضيق مجالاته كما يفهم البعض ، ولا يحوله إلى مواعظ دينية كما يفهم البعض الآخر ن إنما يوسع مجالاته في الحقيقة ويعمقها ، ولكنه ينظفها فقط ويطهرها من الأرجاس .

وليس هنا مجال إعادة الحديث في هذه الموضوعات ..

إنما نحن هنا نتحدث فقط عن آثار العلمانية في الفن الأوروبى ..

فأول آثارها - في التسلسل التاريخى - هو عبادة الطبيعة في الفترة الرومانسية .

وليس ثمة عيب - كما قلنا من قبل - في مناجاة الطبيعة والتفاعل معها والحفاوة بها ، فذلك كله أمر طبيعى في النفس السوية . ذلك أن الله خلق الكون جميلا ثم جعل في النفس البشرية حاسة تلتقط الجمال وتنفعل به . والقرآن يوجه الحس توجيها صريحا لرؤية الجمال في الكون والإحساس به ، لا في الورود والأزهار والجبال والوديان فحسب ، بل في الأنعام كذلك ، التى هى مظنة الفائدة وحدها .

{وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) } [سورة النحل 16/5-6]

{وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنْ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99) } [سورة الأنعام 6/99]

{أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) } [سورة النمل 27/60]

ولكن رؤية هذا الجمال والتفاعل معه والانفعال به تحدث به في النفس السوية توجها إلى الله بالعبادة لأنه هو خالق هذا الكون الجميل ومسخره للإنسان ، وخالق هذه الحاسة الجمالية في تركيب الإنسان ليستمتع بهذا الجمال .

أما النكسة العلمانية في الحس الأوروبى المنسلخ من الدين فقد ذهبت في طريق آخر مخالف ، فجعلت من هذا الحس الجمالى وثنية كاملة تعبد الطبيعة بدلا من عبادة الله . وقد وردت كلمة الوثنية بالذات ورودا مكررا في شعر الرومانسيين كأنما هو أمر مقصود !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت