فهرس الكتاب

الصفحة 4767 من 27364

ففرويد لم يكن يتصور - وإن تمنى - أن تأتى يوم تعرض فيه العملية الجنسية على المسرح بوصفها جزءا من مسرحية"فنية"! ثم ينقلها التليفزيون على شاشته ليراها الأولاد والبنات في البيوت !

وذلك إلى آلاف وآلاف من المسرحيات والقصص والأفلام والأغانى والصور والصحف والمجلات ، لا تعرض شيئا إلا الجنس ، ولا تعرضه إلى وضع الحيوان .

تلك هى العلمانية في مجالات الحياة المختلفة .. في السياسة والاقتصاد والاجتماع والعم والأخلاق والفن .. ولك نشاط يمكن أن يصدر عن"الإنسان"إن كان قد بقى له بعد ذلك كله مكان في عالم"الإنسان"!

وتقول العلمانية - الغربية على الأقل - إنها لا تحارب الدين ! فمن شاء أن يتدين فليتدين ! وانظر حولك تجد متدينين بالفعل لا تتعرض لهم العلمانية من قريب ولا من بعيد !

أرأيت لو أن إنسانا أطلق حولك كل أنواع الجراثيم الموجودة في الأرض ، في الهواء الذى تتنفسه . في الماء الذى تشربه . في الطعام الذى تأكله . في الوجود الذى تلمسه . ثم قال لك إن أردت أن تظل سليما معافى فكن كما شئت ، فنحن لا نتعرض لك ! كم يكون قوله مسخرة المساخر ، وكم يكون مغالطة مكشوفة ؟!

وذلك فضلا عن أنه في عرف نفسه لا يعتبر ما يطلقه من حولك جراثيم .. بل يعتبرك أنت الجرثومة التى يخشى منها على كيانه ، والتى لم يستطع أن يقضى عليها قضاء كاملا فتركها وهو يتمنى - من الشيطان - أن تزول !

{وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [سورة النساء 4/89]

إن الدين - حتى بمعناه الغربى المشوه - لم يعد له مكان في العلمانية المعاصرة .

فإذا كان قد أخرج من عالم الاقتصاد ومن عالم الاجتماع ومن عالم العلم ومن عالم الأخلاق ومن عالم الفن .. فماذا بقى له من واقع الحياة وماذا بقى له من النفس الإنسانية ؟!

بقيت له ساعة في الكنيسة من يوم الأحد من كل أسبوع عند أفراد من الناس !

نعم .. ولكن ما الدين حتى بالنسبة لهؤلاء ؟

هل له واقع في حياتهم ؟

هل يمنح قلوبهم الطمأنينة اللازمة لحياة الإنسان .. الطمأنينة التى تتنع التمزق النفسى وتمنع القلق والاضطراب ؟

هل يمنح وجودهم معنى يحميهم من الإحساس بالضياع ؟

هل يمنحهم تصورا للكون والحياة والإنسان غير التصور المادى الذى تقدمه العلمانية الجاهلية ؟

لو سألت أولئك الخارجين من سماع الموعظة يوم الأحد عن رأيهم الدينى في التعاملات الاقتصادية الربوية اتى تقوم عليها حياتهم فهل تجد عند أحد منهم تحريما لها أو استنكارا لقيامها ؟ أم يقول لك قائلهم: هذه مسألة اقتصادية .. ما علاقة الدين بالاقتصاد ؟!

ولو سألت أحدا منهم: ما رأيك في كذب الساسة بعضهم على بعض في السياسة الدولية ، وعلى شعوبهم في السياسة الداخلية ؟ ومت رأيك في الالتزام الحزبى الذى يلزم صاحبه بالمعارضة أو التأييد حسب وضع حزبه من السلطة ؟ وما رأيك فيما تكتبه الصحافة السياسية بقصد التشويش على الحقائق لا بقصد إظهار الحق ؟ أل يقول لك على الفور إن هذه مسائل سياسية .. ولا دخل للدين بالسياسة ؟!

ولو سألت الفتاة وصديقها الخارجين من"الصلاة"ما قولكما في العلاقة القائمة بينكما ؟ ألسي الدين يحرمها ؟ ألا يقولان لك إن الدين مسألة اعتقادية ولا علاقة له بالعلاقات الاجتماعية ؟! إن لم يقولا لك - كما يقول الكثيرون والكثيرات - إن الجنس مسألة بيولوجية بحتة لا علاقة لها بالدين ولا علاقة لها بالأخلاق ؟!

كلا ! ما يزيد"الدين"فى ظل العلمانية على أن يكون مجرد وجدانات حائرة لا تلبث أن تتبدد وتضيع في الدوامة العاتية المعادية لكل ما يأتى من عند الله !

العلمانية والإسلام

إذا صحت دعوى العلمانيين في الغرب بالنسبة للدين الكنسى أنهم يتعايشون معه ويتعايش معهم دون تدخل من أحدهما في شؤون الأخر - وهى كما رأينا ليست صحيحة في الحقيقة- فإنها بالنسبة للإسلام لا تصح على الإطلاق !

لقد كان الدين الكنسى منذ اللحظة الأولى دينا يهتم بالآخرة ويدير ظهره للحياة الدنيا ، نتيجة ما دخل فيه من تحريف فصل الشريعة فيه عن العقيدة ، وجعله عقيدة صرفا إلا فيما يتعلق بالأحوال الشخصية .. ومع ذلك فقد كان العمل من أجل الآخرة يلقى أثره على الحياة الدنيا ، قصد الناس أم لم يقصدوا ، ووعوا ذلك في إدراكهم أم لم يعوه ، فكان ذلك الدين - رغم التحريف الضخم في كل جوانبه - يعطى أثارا واقعية في حياة الناس وسلوكهم ، وتصوراتهم ومشاعرهم ، وهى التى جاءت العلمانية لتزحزحها من مكانها رويدا رويدا حتى أجلتها إجلاء كاملا ، فلم يعد للدين عند الأكثرية العظمى من الناس في الجاهلية المعاصرة مكان على الإطلاق ، وبقى عند الأقلية"المتدينة"مجرد مشاعر ووجدانات ، وعلى الأكثر بعض"العبادات"ولكن هذه وتلك لا تحكم شيئا في واقع الحياة . وبهذا وحده - أى بمسخ الدين على هذه الصورة المزرية - أصبحت العلمانية تتعايش - على مضض ! - مع الدين ! وقد كان هذا مسخا بالنسبة للدين الكنسى ذاته ، الذى شوهته الكنيسة حتى قطعت صلته بالأصل السماوى .. فكيف يكون الأمر بالنسبة لدين الله الحق ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت